تيشيت وباسكنو وولاتة.. قرابةُ العلم وسِجِل زماننا وصعود أعلامنا / عبد المالك ان ولد حنى

لا نطمح في هذه المقالة إلى تسطير مقاربات بعمق وزخم العنوان، إذ يعوقنا عن ذلك الوقت والنزوع نحو معالجة واعية وواقعية لأحداث الماضي، وإنما يهمنا رسم إطار تاريخي يتسع لأهم محطات هذه الفترات، وصلات علمائها وأدوار نبلائها ومسيرة مجتمعاتها، وإبراز التواشج الوثيق بين هذه المستويات المختلفة، دون تسويغ فج، ولا تسويق مبتذل.

موليا التمحيص والتنقيب كبير اهتمام، لأن “الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق” كما يروى: ابن خلدون في المقدمة.
تميزت هذه المدن والحواضر التاريخية بالكثير من مجاهل الصحراء وجبالها ومتاهاتها، وفي: تيشيت، لقف الناس من أفواه العلماء وثقفوا من وصايا الحكماء، وفي منازلها بنى القوم شرفا ومجدا ورفعة، وتيشيت مشتقة من (شيتو)، ويعود تاريخ تأسيس المدينة إلى النصف الأول من القرن 6 الهجري، 12 الميلادي، سنة 536 هجرية، 1142م، واقتصر الإشعاع الثقافي في بلدنا -موريتانيا– على تيشيت وأخواتها، عندما تألقت المدينة مستفيدة من موقعها الجغرافي، باعتبارها حلقة وصل بين تنبكتو وولاتة من جهة، ووادان وشنقيط من جهة أخرى.
يقول: المختار ولد حامد في موسوعة حياة موريتانيا -التاريخ الثقافي- عن دور هذه المدن وإنشائها “ثم جاء الشريف مولاي عبد المومن مؤسس قرية تيشيت وجد شرفائها المعروفين، ومعه الحاج عثمان جد أحد بطون إدولحاج وأحد مؤسسي قرية وادان، وكانا قرآ على: القاضي عياض المتوفى في مراكش سنة 554 للهجرة، فانتشر عنهما العلم واتسع نطاقه قرونا عديدة في القريتين، وكان قبل ذلك قاصرا على علوم الشرع دون آلاتها ومتماتها”.
وتقدر مخطوطات تيشيت بما يربو على 10000 مخطوط، تتوزع بين 16 مكتبة أهلية، وهي تحتضن الآن أهم ثروة علمية متفوقة على أخواتها، وقد زار: الطالب بوبكر بن أحمد المصطفى المحجوبي الولاتي تيشيت وكتب في -منح الرب الغفور في ذكر ما أهمل صاحب فتح الشكور- “مكثتُ بقرية تيشيت 40 يوما، أزور قبور الصالحين كل يوم”، وذكر: سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم في صحيحة النقل في علوية إدوعلي وبكرية محمد قلي، حول صدى دور: تيشيت التجاري المؤثر قديما أن قافلة تجارية “خرجت ذات يوم من شنقيط مؤلفة من 32 ألف بعير، من بينها 12 ألف بعير لأهل تيشيت”، واستطرد: ” أن من فاتته زيارة قبور البقيع بالمدينة المشرفة، فعليه بزيارة قبور صالحي تيشيت”، مضيفا أن”لكل إقليم مدينة، ومدينة إقليمنا تيشيت”، وقد اشترت إحدى عالمات وكريمات تيشيت وهي: عائشة بنت أبي بكر بن الأمين المسلمي، نسخة مخطوطة من فتح الباري على صحيح البخاري بقيمة سبعين حقا من الإبل ذهبا وأوقفتها على المكتبة بالمدينة، وللبرهنة على انتشار العلم وكثرة العلماء في تيشيت، ما ذكره ابن حامد في موسوعته من أن وباء (مَقاطَةَ) الذي أصاب المدينة 1207 للهجرة 1773م، قد أودى بحياة 40 عالما من علماء تيشيت في أسبوع واحد.
أما: ولاتة، أو (بيرو)، فقد تأسست 652 للهجرة، 1224م، على أنقاض غانا (كومبي صالح)، “وسكن فيها الأخيار من العلماء والصالحين، وذوي المال من كل قبيلة ومن كل بلاد”، كما يقرر: عبد الرحمن السعدي في: تاريخ السودان، وتعتبر مدينة ولاتة من أقدم مراكز الثقل الفكري والثقافي إن لم تكن الأولى على الإطلاق، وأكثرهم إشعاعا ثقافيا، على أنها اشتهرت بوصفها محطة من محطات القوافل عبر الصحراء ومنارة علم، وقد زارها الرحالة ابن بطوطة، وهي إذ ذاك تسمى (إيولاتن)، مسجلا شهادته، “وأكرمنى أهلها، وأضافونى”، “فهم مسلمون محافظون على الصلوات، وتعلم الفقه وحفظ القرآن”، ليقول: أحمد ولد الأمين الشنقيطي في الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، أن أهل ولاتة، عرفوا بالعلم والاستقامة والصلاح.
وكان حظ علماء المدينة كبيرا في ما سطره أبو عبد الله الطالب محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي الولاتي في فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، من تراجم لفقهاء المنطقة، فقد كان لكل حي داره الخاصة -محضرته- لتلقي المعارف التي تأخذ اسم المجموعة السائدة فيه، ومن أشهر تلك الدور: دار اتلاميد لمحاجيب، و: دار اتلاميد إديلبه، و: دار اتلاميد الأغلال، و: دار اتلاميد بارتيل، و: دار اتلاميد.. أولاد داود.
فلقد خيم إذن أهلنا برسومها، وفاحت عليهم من رَوْح نسيمها، ويقول د. محمد المختار السعد: “وكانت ولاتة أولى ملاذ علماء تنبكتو ووريثتها المباشرة، على الصعيد المعرفي، فازدهرت محاضرها الكثير من ذلك الوقت، واطلعت بدور ريادي في الانتشار العمودي والأفقي للمعارف العربية والإسلامية في ذلك الجزء من المنطقة”، ومهما انتبذنا عن مدينتنا ولاتة، فقد تعاطى بها آباؤنا كأس المنافثة، واقتدحوا بها زناد المباحثة، كابرا عن كابر، وجَثَتْ جِمالنا هناك حاملة الأسفار، وخيولنا حامية الحِمى والمنازل، ومتى زرتَ ولاتة افْتَرَّتْ لكَ عن سكينتها، ولازمكَ الوقار، وأنت تدلف إلى خِدْرِهاِ العلمي.
أما مدينة باسكنو، فينزع بي الشوق إليها، عندما ألقى أسلافنا بها عصا التسيار، وحولوا صحراءها إلى صحراء مشرقة تطيب لها الأفئدة، وتنشرح الصدور، وجعلوا من رمال الصحراء وتلال الأودية ووعورتها، وقساوة البيئة مستقرا نزعوا فيه إلى الغلبة والقهر، مستوحشين بالعز، ومستأنسين بالانفراد.
يعود تأسيس مدينة باسكنو إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وصارت بعد ذلك ملجأ لجميع أولاد داود، كما يشير إلى ذلك المختار ولد حامد في موسوعته حياة موريتاتيا، الجزء الجغرافي، وهي مدينة فسيحة الأرجاء، متسعة لزوارها، وأهلها إلى الجَلَدِ والقناعة والرضا والتعفف أقرب منهم إلى البذخ والترف، يستوى في ذلك نبلاؤهم وعامة الناس.
وتعد مدينة باسكنو من أخصب مدن الحوض الشرقي، مرتبطة بتلمسى، وتغلب سمة البداوة على أهلها، ويعيرنا أهلنا في ولاتة بذلك، منكتين علينا ب:(رَحَّالَه)، ورغم شيوع وتمثل معانى السيادة والرئاسة، وانتشار بيوتات العز وانتجاع الغيث، والازدراء في الأرض والابتغاء منها، فإن للكتاب حظه الوافر من جَنْيِ الأسمار بالمدينة، وتعاطى مُلَح الحوار، مهما اشتهروا بالشدة والشجاعة..والقادمَ إلى مدينة باسكنو يتراءى له (لكصر القديم)، ويُطالعه المسجد العتيق الذي تعاقب على إمامته: محمد الأمين ولد باريك، وابو ولد جودتى ولد اب عيني، ومحفوظ ولد مولاي عبد الرحمن ولد دحانه، والمرتيجي ولد مولاي أحمد، ثم زايدن ولد خيبوب ولد سيدي عبد الله، والقاظي ولد ابو ولد جودتى، وعند تيامنك شمال شرق المدينة الوادعة نحو جهة (المكفه)، حيث ربوع (الْحَلّه)، ومنازل أهل سيدي ولد هنون، والهضاب والغابات الخَضِرة النضرة، المحيطة بالمدينة من جهاتها الأربع، ويحيط ب(كصر القديم) مقبرتان إحداهما على جهة الشمال، وتضم مقابر أعلام ورموز المدينة، وتدعى مقابر (أهل اب عينى)، والأخرى جنوبا، وتضم أضرحة (أهل الشيخ أعمر)،  بالأولى أضرحة كل من: سيدينا ولد اب عينى، وابو ولد جودتى ولد اب عيني، ومحمد ولد أحمدو ولد أهل احمادو، وآب ولد الطالب عبد الل، وحناني ولد عبد الله ولد محمد الأمين، وابراهيم ولد دفناج، وأعمر ولد ارويكب، وميمه بنت ان.
تتقاطع مدينة باسكنو مع كل من تيشيت وولاتة، في الكثير من العوائد التي سردها: الطالب بوكر المحجوبي الولاتي في: منح الرب الغفور في ذكر ما أهمل صاحب فتح الشكور، كالتوافق على إسناد مهمة الإمامة والخطابة لبيت العلم منهم والدين والحسب، وقراءة حزب من القرآن بعد المكتوبات، باستثناء المديح فلم أسمع عنه أو أقف على أنه كان يُتعاطى، وقراءة صحيح البخاري والشفا للقاضي عياض، كما كان دَأبُ ودَيْدَنُ الحافظ الفقيه: ابو ولد جودتى ولد اب عيني، في المسجد العتيق بعد صلاة العصر دائما، وتَحَمُّل زعيم القبيلة وسيدها نفقة القيام على أمر المسجد، من تعيين الإمام، وإكرامه وإجلاله، كما كان الحال مع: الشيخ، وحنن، وسيدي، على الترتيب، وصِلتُهم المشرفة مع الأئمة الذين سَردتُ قبل قليل، وثلاثةُ أبناء سيدي ولد هنون هؤلاء ينتمون إلى: أولاد علوش -بطن الشوكة والشكيمة وشدة البأس- من أولاد داود اعروك، وفي هذا البيت من لعثامنه: رئاسة أولاد داود كلهم، كما يثبت صالح ولد عبد الوهاب، في الحسوة البيسانية في علم الأنساب الحسانية، وتابعه على ذلك المختار ولد حامد في موسوعة حياة موريتانيا، وتوارثت العائلة الزعامة والسيادة، كابرا عن كابر، فهنون ولد بيده رئيس أولاد علوش بل رئيس أولاد داود اعروك كلهم، وفي فخذه لعثامنه رئاسة متوارثة، فهو بن بيده،  بن محمد ولد ابراهيم، بن موسى، وكان أبوه بيده رئيسا، وبعده محمد بن بيده، وعاصر: هنون، الشيخ سيدي المختار الكنتي، وكانا يتبادلان الرسائل كما في: الطرائف والتلائد في كرامات الشيخين الوالدة والوالد، للخليفة سيدي محمد، ويعد الشيخ سابع رؤساء القبيلة وسادتها، وهو بن سيدي ولد هنون العلوشي، وكان قد التجأ إلى أهل بوردة بعد اغتيال أبيه، وظل يهاجم أبناء عمه، وتولى الرئاسة 1280 للهجرة، وظل رئيسا حتى وفاته 1315 للهجرة، ليدفن بين (بوزريبه)، و(بوكندوز)، كما أفاد المختار ولد حامد في موسوعة حياة موريتانيا، التاريخ السياسي.
وكان لقبيلة أولاد داود اعروك السيطرة السياسية والعسكرية على الحيز الكبير من تلك المنطقة الواقعة بين رأس الماء شرق ولاتة، إلى تلمسى جنوبا، فأروان شمالا، مرورا بقرية آغريجيت، وانتهاء بِفَيْتَه، وَليرَه، وأيامهم فيها وثقتها الوقائع، وأحال إليها الكتاب والمؤرخون. ويضرب المثل هناك بخِلالِِ لا يفتأ القوم عن توارثها من الخروج للصيد، وممارسة الرماية، والشغف بالفروسية.

– صولات وجولات الأشخاص..

يبقى للأدوار التي اضطلع بها المتقدمون من سلفنا في تلك الربوع مسارات متعددة، لما لاقت من روعة مشهودة، وتأثير قوي في النفوس، وقد دوى صفيرُها وحِداؤها مستميتا بإصرار، وممهدا لرسم معالم شكلت رتبة ونعمة وثروة معنوية، لا تتقادم مع الأيام، عززها التثقيف وخلدتها الأبهة ورفع الرايات، ويأتي المختار ولد حامد، في في حديثه عن أولاد علوش من أولاد داود اعروك، “وقد جمع أولاد داود الموجودون في الحوض الشرقي بين حمل السلاح والعلم، خلافا لبعض القبائل الموريتانية، التي إما أن تعتني بالعلم  فقط، وإما أن تمتهن السلاح، ففى أولاد علوش بيوت جزيلة لها دور سياسي هام، وبيوت جليلة لها مكانة دينية عظيمة، حيث نبغ فيها فقهاء لا يشق غبارهم”.
ونشأت علاقات وصلات قوية وروحية بين آل الحاج بوردة. وشيخه المختار الشواف وعشيرته، ولم تغب تيشيت عن شعور ومشاعر أهل بوردة، حيث هم في ولاتة، أو باسكنو، في المراسلات وتَبَيُّن مستوى عال من التقدير والود يطبع العلاقة ويدعم الروابط التاريخية. وتكشف حوليات تيشيت بعض تلك الوثائق، فهذه رسالة من بعض أولاد آل بوردة، إلى آل أحمد ولد الشغ، تحكى، “ونحن سيوفكم القاطعة ورماحكم القامعة فأصيبوا بنا مقاتل من أردتهم، وولوا بنا أولياءكم وعادوا بنا أعداءكم، فالله ناصرنا على من عاداكم، وحافظكم بنا، إن شاء الله، فإننا قد رفضنا غيركم رفضا، ونفضنا أيدينا من غبار صعيد غيركم نفضا، ونرجو الله القدير أن يجعلكم لنا حرزا مكينا، وحصنا حصينا، ويرفع الله عنا بكم كل هم وغم، وشدة وضيق، أبقاكم الله لنا وأبقانا لكم، ولا رمى بيننا وبينكم سهم الفراق، إلا بالمواطن والمباني، لا بالأرواح والمعاني. والله تعالى هو المسؤول في إنجاز المسؤول وبلوغ المأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام عليكم لا يحول ولا يزول”.
كانت هذه الأرومة الطاهرة في تطوافهم وترحالهم يحيون دائما مساجد تيشيت وولاتة وباسكنو بتسليمتين، متى طفقوا أو عَبَروا، منتجعين في الرمال حاملين في صدورهم الأسفار القيمة ومتوشحين أسلحتهم، لدفع البأس ونشر المروءة، وشيمهم حينها ” اقتناء السلاح ومداومة الكفاح.. وإدمان الغارات.. أموالهم سلاحهم، وحصونهم ظهور خيلهم ونجائبهم، جل عيشهم الصيد وما يأخذون من المغارم، أو ينتهبون من الأعداء، وما عدا ذلك فهو عيب عندهم من تجارة أو حرث، أو اقتناء ماشية”، كما في ولد حامد، حياة موريتاتيا، الحياة الثقافية.

– أيامنا وجدلية السيف والقلم..

بعد هذه الجولة في سمات المرحلة وإشراقاتها، يتسنى لنا القول إن أخبار القوم جمعت بين أخاير الذخائر وبشائر العشائر، وأن الخطوب لم تَحُل دون عقد المجالس وتوزيع الندى، وحَمْل الكَل، ومواجهة الأخطار، فالعظماء للعظائم كما يقال، وإن “صَفَرَت الراحة، وقَرِعَتِ الساحة، وغار المنبَع، وَنَبَا المَرْبَعُ، وأقوى المَجْمَع، وأقَضَّ المضجع، واستحالتِ الحال وأعْوَلَ العيال”، بلغة الحريري في المقامات.
ومتى نابت نائبة أو استدعت الحاجة سد فرجة أُخرِجت السيوف من غِمادِها، وزاوجَ أرباب الأقلام من أسلافنا بين المُهمتين، مباهين بما حباهم الله من حال ونعم، لأن “السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره”، كما يذهب إليه: ابن خلدون في المقدمة، وكلاهما خادم للآخر وشريكه، دون تعارض في المعونة والجاه والحماية والمرافعة والتصريف.
وحتى في الأزمنة التى كانت فيها هذه  البلاد سائبة خالية من نظام قائم ومسيطر، قبل وأثناء سلطة بنى حسان، وغلبة تسمية الوطن عليهم (بلاد المغافرة) بتعبير محد فال ولد باب ولد أحمد بيبه العلوي، أو (البيضان)، بأسلوب باب ولد الشيخ سيديا، نلاحظ بسط النفوذ والسيادة في شكل إمارات ورئاسات  اهتمت بالتمكين للسان العربي، وانتشرت (الحسانية).
على وقع هذه التحولات خرج خالُنا وأبونا: العلامة سيدي محمد ولد الحاج بوردة الولي الصالح من: تيشيت إلى: ولاتة، فانتفع به الناس وتعلموا منه، وانتشر العلم والسيادة في ذريته، وإلى ذلك يشير صالح ولد عبد الوهاب، في: الحسوة البيسانية في علم الأنساب الحسانية، “وبيت: سيدي محمد بن الحاج بوردة من أجل بيوت الزوايا وأعظمهم قدرا وسيادة في أرضنا، قبل تغير الزمان وكثرة الفساد في هذه البلاد، وسيدي محمد هو سبب عزهم ورئاستهم، وهو الولي العارف المشهور”، وأهل بوردة أسرة مشهورة من مهاجري أولاد بوعلي من أولاد علوش، تنتمى إلى الحاج عبد الله بوردة، وهو أحد صلحائها وعلمائها المعروفين، وقد التحق أولاد موسى ولد أيجل بأهل بورده، وأسسوا محاظر وعلَّموا ودرَّسوا في منطقة باسكنو ونواحيها، وأطراف ولاتة، بعد خروجهم من تيشيت، ليقيموا بالبوادي مع أهل بوردة، ومن علماء عائلة: موسى ولد أيجل الزيدي التيشيتي الداودي: سيدي محمد وابنه: الطالب سيد أحمد، وكان الأول فقيها مشهورا عالما بالمتممات، كاللغة والبلاغة والمنطق، ويعد شاعرا نادرا حسن الخط، وذكر له: البرتلي في فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، تآليف في الفقه والنحو. وتكشف حوليات تيشيت وولاتة وتاريخهما عن مشاهير علمائنا الأجلاء، الذين جمعوا بين العلم والعمل والتربية، ومن هؤلاء من أولاد داود اعروك: الحاج الحسن ولد آغبد الزيدي وكان شيخا فقيها ذائع الصيت، وإليه انتهت رئاسة الفقه بتيشيت، لسعة علمه، ثم: ابنُه: سيدي محمد، وهو كأبيه عالم جليل،  وكانا قد تخليا عن سيرة بني عمومتهم من حمل السلاح، وأقبلا على العلم والتعليم بتيشيت، كما يفيد ابن حامد في حياة موريتانيا، الجزء الثقافي، ومنهم: سيدي عبد الله ولد الحاج محمد الرقيق، عالم فقيه نحوي لغوي، وهو من (اكشرات) أولاد علوش، قال عنه: أبو بكر بن أحمد المصطفى في: منح الرب الغفور في ذكر ما أهمل صاحب فتح الشكور، “لو جمعت فتاواه، لصارت كتابا في النوازل”، ألف شرحا على المنهج للزقاق، وشرحا على الفريدة للسيوطي في النحو، وساجَلَ: سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم ورد عليه في بعض النوازل المتعلقة بفقه المعاملات، ثم: سيدي محمد ولد اعل ولد المختار من أولاد اسعيد ولد علوش ولد داود ولد اعروك، والذي وَصَفَه: صالح ولد عبد الوهاب في: الحسوة البيسانية في علم الأنساب الحسانية، بشيخ أهل أفله وأهل اركيز، يلقب بسيدينا، دَرَسَ في ولاتة، وكان علامة مفتيا، وينتمى لبيت فقه وعلم وسيادة وقضاء، ثم: شيخه: الطالب عبد الله النفاع بن أحمد حاج بن المختار بن اعل الملقب بملوك العلوشي، من أولاد اسعيد، وكان علامة عصره، توفي عن مائة سنة، متمتعا بحواسه، ثم: حفيد هذا الأخير: محمد يحي بن محمد المختار بن عبد الله النفاع الفقيه الولاتي، يعتبر فقيه ولاتة، وحامل لواء العلم بها، تربو تآليفه على المائة، في مختلف فنون المعرفة، خرج للحج سنة 1311 للهجرة، ومكث سبع سنوات،  وَدَون سَفَره في كتاب سُمي: الرحلة الحجازية. ثم خالُنا ووالدُنا: الشيخ محمد الاقظف الجعفري الداودي أحد الأعلام البازين ورجالات التصوف، الذي إليه تُنسَب: الطريقة القظفيه، والتي لها أتباع كثر خارج وداخل موريتانيا، ثم خالُنا وأبونا: عبد المالك ولد النفاع، من أولاد اسعيد العلوشي، له حاشية على مختصر خليل، ولأبيه النفاع شرح على إضاءة الدجنة للمقري، وينتمي لبيت علم وقضاء وفتوى وجاه، ثم: امحمدي ولد سيدى عثمان التاكاطي نسبا الداودي وطنا، وهو من أجلاء أهل ولاتة، علما وفضلا ومالا وجاها، ألف في التاريخ على طريقة الحوليات، ثم خالُنا وأبونا: اب عينى الصبار، ولد اعل ولد المختار العلوشي وكان عالما عاملا، أخذ عن ابن عمه، سيدي محمد ولد اعل العلوشي، كما أثبت المختار ولد حامد في حياة موريتانيا، حوادث السنين، بتحقيق د. سيد أحمد ولد أحمد سالم.
واستفاض تاريخ تيشيت وولاتة في الحديث عن كتب ونوازل القوم، وجُلها لازال مرقونا بالمكتبات الأهلية في تلك المدن، كنوازل سيدي عبد الله ولد الحاج محمد الرقيق العلوشي، ونوزل سيدي محمد ولد اعل ولد المختار العلوشي، ونوازل محمد يحي الفقيه الولاتي العلوشي. ونوازل عثمان ولد أحمد ولد الحاج أعمر اليونسي الولاتي. ومجموع نوازل انبوي المحجوبي الولاتي، ونوازل القصري الإديلبي الولاتي النعماوي.
وأناجي هذه الأفكار القديمة لألبسها الآن ثوبا جديدا قشيبا -نستلهم منها ما نبث من شجون وأُهْبَة في ضوء إنعاش نسخة مدائن التراث في تيشيت هذه المرة: 2023، بتأمل واعتزاز -تنجلى في تعبيراته هِممُ التأثر لصناعة المستقبل والعمل على تنمية هذا التراث، والاستثمار فيه، وذلك بنشره والتطلع إلى غربلته وتجويده والبناء عليه، فهو بحق: فَخْرُ موريتانيا وزينتها، بعيدا عن الفتور والخمود، ليفيض ما ينفخ في هذا التراث والثروة العلمية النادرة روحا ونضجا وقوة، فقوة السيف من قوة العلم، وهي التي تعطي للحياة دفعا ومظهرا جديدا واعيا وواعدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *