المحتوى المحلي بين البناء المؤسسي وتحدي التفعيل/ د. مولاي ولد أب ولد أكيك

أضحى اليوم المحتوى المحلي أحد المفاهيم المحورية في النقاشات الاقتصادية السائدة، ولا سيما في الدول الغنية بالموارد الطبيعية الساعية إلى تحويل الثروة الريعية إلى تنمية مستدامة. وفي هذا السياق عمدت الحكومة الموريتانية على استصدار المرسوم رقم 2025-156 بتاريخ 18 سبتمبر 2025، المتضمن تطبيق بعض أحكام القانون رقم 2024-045 المتعلق بالمحتوى المحلي في قطاعي الصناعات الاستخراجية والطاقة. وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة مع دخول البلاد مرحلة استغلال مشاريع كبرى في مجالات الغاز والتعدين والبنية التحتية، وما يرافق ذلك من رهانات اقتصادية واجتماعية معقدة تتجاوز مجرد تحقيق العائدات المالية.
واستكمالا لتلك الإجراءات، تم بالأمس تعيين رئيس للأمانة الوطنية للمحتوى المحلي التي تشكل الذراع الفني للمجلس الوطني، في خطوة مؤسسية ذات دلالة واضحة، تعكس انتقال الدولة من مستوى التنظير والتصريح إلى محاولة إرساء آلية حوكمة مخصصة لهذا الملف الاستراتيجي. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تطرح في الآن ذاته سؤالًا جوهريًا ومتكررًا:
كيف نضمن أن يتحول هذا الإطار الجديد إلى أداة فعلية للتنمية، لا إلى بنية تنظيمية إضافية محدودة الأثر؟
علينا أولا، تحرير مفهوم المحتوى المحلي من القراءات التبسيطية التي تحصره في الشعارات أو في مجرد تشغيل يد عاملة غير مؤهلة. فالمحتوى المحلي، في جوهره، سياسة اقتصادية متكاملة تهدف إلى تعظيم القيمة المضافة الوطنية، ولا يتحقق أثرها التنموي إلا عبر تكامل خمس مكونات أساسية، يغيب أثرها بغياب أي منها:
1. العمالة الوطنية كمًّا ونوعًا، بما يعني إدماج الكفاءات الوطنية في مختلف مستويات المشروع، وليس الاكتفاء بالوظائف الهامشية (عمال حراسة، بوابين أو عمال يدويين). بل يتطلب ذلك وضع خطط واضحة للتدرج الوظيفي في مجالات الإدارة، الصيانة، الهندسة، والمحاسبة.
2. المشتريات من الشركات المحلية، من خلال إدماجها الفعلي في سلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بالمشاريع الكبرى، بما يشمل النقل، الأشغال، الصيانة، التموين والخدمات اللوجستية، بدل الاكتفاء بمشتريات رمزية (رزم الأوراق، المياه المعدنية..) لا أثر لها على الاقتصاد الوطني.
3. نقل المعرفة والتكنولوجيا عبر التدريب الميداني داخل المشاريع والمشاركة الفعلية في التشغيل، وإشراك فعلي للكفاءات الوطنية في التشغيل يفضي، على المدى المتوسط، بتسليم تدريجي للمهام التقنية لها.
4. بناء قدرات الموردين الوطنيين لتمكينهم من احترام المعايير الدولية للجودة والكلفة والآجال، عبر برامج تأهيل ودعم، بدل منطق الإسناد غير التنافسي (منح الصفقات لأصدقاء أو مقربين) الذي يُضعف النسيج الإنتاجي.
5. إدماج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تدريجيًا في سلاسل القيمة، باعتبارها العمود الفقري لأي اقتصاد وطني متوازن، ومنحها فرصًا حقيقية للولوج إلى منظومة الإنتاج بدل احتكار العقود الكبرى من قبل عدد محدود من الشركات.
رغم أهمية الإطار القانوني والمؤسسي تظل عملية التفعيل رهينة بجملة من التحديات البنيوية، يمكن إجمالها في المستويات التالية:
1. حدود الصلاحيات
وفقًا للقانون رقم 2024-045 والمرسوم رقم 2025-156، يتمتع المجلس الوطني للمحتوى المحلي بصلاحيات ذات طابع استراتيجي وتنظيمي، وتشمل:
• وضع السياسات والاستراتيجيات الوطنية للمحتوى المحلي؛
• متابعة تنفيذ الخطط الثلاثية والتقارير السنوية المقدمة من الشركات؛
• اقتراح التوصيات في حال عدم الالتزام؛
• إنشاء بوابة إلكترونية وطنية لمتابعة وتحليل بيانات الأداء.
غير أن النصوص لا تمنح المجلس صلاحيات تنفيذية مباشرة، كفرض العقوبات أو إلغاء التراخيص، مما يجعل دوره، في جوهره، دورًا توجيهيًا واستشاريًا يعتمد على تفاعل الجهات التنفيذية الأخرى.
2 . قابلية القياس والتقييم
يُعد غياب مؤشرات أداء واضحة وأدوات قياس كمية ونوعية من أكبر معوقات التفعيل. ورغم أن المادة 25 من المرسوم تلزم الشركات بتقديم تقارير سنوية مفصلة تشمل بيانات التموين والتشغيل، بما يتيح مؤشرات كمية قابلة للقياس، إلا أن النصوص تظل قاصرة عن تحديد مؤشرات مرجعية ملزمة. فهي تستخدم عبارات من قبيل “تعزيز” و“رفع” و“تشجيع”، دون تحديد عتبات رقمية واضحة أو مسارات تصاعدية زمنية، وهو ما يحد من فعالية التقييم والمساءلة.
.3 محدودية قدرات العرض المحلي
يفرض الواقع الاقتصادي الاعتراف بأن جزءًا معتبرًا من النسيج الإنتاجي الوطني يحتاج إلى التأهيل. ومن ثم، فإن فرض نسب محتوى محلي مرتفعة دون برامج مرافقة لبناء القدرات قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع أو إلى إنتاج محتوى محلي صوري لا يعكس أثرًا تنمويًا حقيقيًا.
كخلاصة، يمكن القول بأن استصدار المرسوم التطبيقي وتعيين قيادة للمجلس الوطني للمحتوى المحلي يؤشران إلى وعي رسمي بالأهمية الاستراتيجية لهذا الموضوع والرغبة في جعله رافعة تنظيمية قوية للقطاع الخاص، وتشكل الخطوات المتخذة حتى الساعة منطلقا ضروريا لذلك. غير أن نجاح هذا المسار لن يُقاس بوجود النصوص ولا بعدد الهياكل، بل بمدى القدرة على تجاوز التحديات المطروحة، والتحول من اقتصاد قائم على استغلال الموارد إلى اقتصاد مبني على بناء القدرات وتعظيم القيمة المضافة الوطنية.

أعل محمد حمد

معلومات اتصل بنا: المدير الناشر ورئيس التحرير:أعل محمد حمد الايميل: elyhammad@gmail.com أرقام الاتصال: 2207994912 2207000023