الصحافة في موريتانيا.. ماخلف مؤشرات حرية التعبير / أحمد محمد المصطفى

قد تبدو صورة المشهد الإعلامي الموريتاني للمتلقي الخارجي براقة وزاهية، فالبلد حافظ – رغم تراجعه – على تصدر العالم العربي في مجال الحريات الصحفية وفق تقرير “مراسلون بلا حدود”(1)، أما التصريحات الرسمية فتتحدث عن خطوات واثقة على طريق المأسسة والتمهين، والبلد يشهد تنوعا في المؤسسات، ووفرة في الإعلاميين، وتضخما في المؤسسات النقابية المدافعة عن حقوق الصحفيين، لكن خلف هذه الصورة- أو في جانبها -صورة أخرى لمشهد مختلف، لعل أقرب توصيف لها هو أن المشهد الإعلامي يعيش حالة تأرجح دائم ومربك، تجعل الحكم عليه غير مركب وعرضة للخطأ إذا ما أخذنا بعين الحسبان كل أبعاد الصورة.
وفق آخر مسح (2) – أعدته السلطات – أنجز خلال الفترة من 18 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أظهر وجود 4 مؤسسات إعلامية عمومية، و250 موقعا إلكترونيا، و66 صحيفة ورقية، و11 قناة سمعية بصرية، و10 مراسلين دوليين، و4 ممثلين لوكالات نفاذ شامل مشروط، و62 منصة إعلامية على فيسبوك، و15 وكالة إنتاج سمعي بصري، و27 هيئة أو رابطة صحفية. فيما تكشف آخر قائمة للمنتسبين لنقابة الصحفيين الموريتانيين (كبرى النقابات المهنية) وجود أكثر من 1700 منتسب، فضلا عن قوائم منتسبة للنقابات والروابط والاتحادات الأخرى.
نجد هذا الأرقام (3) في بلد لا يصل عدد سكانه إلى 5 ملايين، وتتجاوز نسبة الأمية فيه 40 بالمئة، أما نسبة الولوج إلى الإنترنت فتتراوح بين 65 و70%. وفق الأرقام الرسمية.
– تجربة قصيرة
قد تبدو تجربة الإعلام المستقل في البلاد قصيرة نسبيا، مقارنة مع بلدان أخرى عربية وأفريقية أسست لتجربتها بعد الاستقلال مباشرة، أو حتى قبله، إذ بالكاد أكملت عقدها الرابع وظهرت بواكيرها بالتزامن مع ما عرف بالتحضير لمسلسل التعددية السياسية في النصف الأخير من عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينيات مع صدور دستور العشرين من يوليو 1991.
ظلت التجربة تتقدم مسجلة انتكاسات هنا أو هناك تمثلت في مصادرة العديد من الصحف المطبوعة خلال عقد التسعينات، والنصف الأول من عقد الألفية الجديدة، قبل أن تحقق قفزة خلال الفترة الانتقالية 2005 – 2007، بعيد سقوط نظام معاوية ولد الطايع (رئيس موريتاني سابق).
وبقليل من المنهجية يمكن القول: إن الأنظمة التي تعاقبت على الحكم منذ بداية تجربة الإعلام المستقل سعت لترك بصمتها الخاصة في مجال تطوير التجربة الإعلامية؛ ففي عهد حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع (1984 – 2005) انطلقت التجربة، وفي عهد العقيد علي ولد محمد فال الذي حكم البلاد لفترة انتقالية قصيرة (2005 – 2007) قفز مؤشر الحرية، وألغيت الرقابة القبلية على الإعلام، وأوكلت مهمة ترخيصه إلى القضاء بدل الداخلية، وألغي قانون مصادرة الصحف، وأسست السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية “الهابا”، وفي عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز (2008 – 2019) أطلقت تجربة تحرير الفضاء السمعي البصري من خلال رفد تجربة الإعلام المستقل بإطلاق إذاعات وقنوات خاصة، بعد أن كان مقتصرا على الصحف والمواقع الإلكترونية، رغم أن التجربة واجهت عقبات وتحديات حدت كثيرا من نجاحها، لكنها تركت بصمة على التجربة الإعلامية في البلاد.
– لجنة إصلاح ووعود متكررة بالتمهين
وفي يونيو/ حزيران 2020، وبعد أشهر من استلامه السلطة، شكل الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني، لجنة (4) عهد إليها تقديم تشخيص لواقع الصحافة في البلاد، وعقد معها اجتماعا في اليوم الموالي لتعيينها ذكّرها خلاله بـ “جسامة المسؤولية المسندة لها، المتمثلة في تقديم مقترحات لإصلاح شامل للقطاع الإعلامي بشقيه العمومي والخاص”.
وبعد أشهر من العمل، ودراسة الساحة الإعلامية، ومقابلة الخبراء والإعلاميين، قدمت اللجنة تقريرا للرئيس، خلصت فيه إلى أن وضع الإعلام في البلاد “بالغ الخطورة، وأن تأثيره السلبي على الدولة والمجتمع لم يعد خافيا”، مردفة أن “كل ما نعاينه اليوم من الفوضى والتسيب والفساد، عائد كليا أو جزئيا إلى فشل الإعلام”.
وأضافت اللجنة في تشخيصها لواقع الإعلام في موريتانيا أنه “في واد سحيق بعيد عن الإعلام الناجح، فهو على تعدد قنواته العمومية والخصوصية، وكثرة محطاته ومراسليه في الداخل، بلا تأثير جوهري على المواطن، وبعيد عن التنوير والتحديث، وعن الإسهام في معركة نشر العلم والتنمية”، كما أنه “يبتعد عن تناول الملفات والقضايا التي ترتبط بحياة الناس.. ولا يمارس النقد البناء ويغطي على الإخفاقات، ولا يستخدم البحث والاستقصاء في قضايا الرشوة والكذب والغش والدجل والكسل، ومظاهر الفوضى في الشارع والسوق والمدرسة والمسجد والنقل”.
وقدمت اللجنة 64 مقترحا (5) رأت أن تنفيذها كفيل بحل الأزمة التي تواجه المشهد الإعلامي في البلاد، وتوزعت هذه المقترحات على ثمانية محاور، هي السياسة الوطنية للإعلام، والهيكلة، والقوانين، والمصادر البشرية والتكوين، والدعم والمصادر المالية، والمضامين، والمجال لتقني، والإعلام الجديد.
لعل من أبرز العقبات والتحديات التي تواجه المشهد الإعلامي الموريتاني هو ما يعانيه من تشتت وتمييع، حوّله إلى مجال طارد للكفاءات والخبرات، (6) إذ ثمة أعداد هائلة تمتلك رخص مؤسسات إعلامية، وتتصدر أحيانا الحضور في الأنشطة الرسمية، في حين أن مستوياتها وكفاءتها، وطبيعة عملها بعيد كل البعد عن الممارسة الإعلامية المهنية.
وقد وصل الأمر إلى درجة تسلل أشخاص أميين إلى الحقل الإعلامي، ووجود أعداد من المؤسسات التي لا تتجاوز في الواقع مجموعة أوراق في محفظة شخصية، يزاحم حاملها مديري المؤسسات الإعلامية، والصحفيين في الأنشطة والمؤتمرات، وفي الدعم العمومي المخصص للصحافة الخاصة، بل قد يكون أوفر حظا منها فيه.
هذا الواقع ناتج بالأساس عن تعطيل القوانين السارية في البلاد، خصوصا المواد التي تحدد من هو الصحفي، وتتضمن شروط الحصول على البطاقة الصحفية وضوابطها، وحق ممارسة العمل الإعلامي، ورغم بروز العديد من المحاولات خلال السنوات الماضية لتطبيق هذه النصوص – كان آخرها قبل أسابيع (7) – فإنها كانت تتوقف في منتصف الطريق دائما.
وقد عبّرت منظمة “مراسلون بلا حدود”، عن هذا الواقع بطريقة دبلوماسية، حين أكدت أن وضع الصحفيين في موريتانيا “لا يزال يتسم بالهشاشة، مما يجعلهم عرضة لما يُصطلح عليه بـ “صحافة القوت اليومي”، أي كتابة مقالات أو إنجاز تقارير صحفية مقابل تقاضي مبلغ مالي معين.. وإذا كانت وسائل الإعلام تتلقى إعانات مهمة، فإن هذه الأخيرة تبقى غير كافية لضمان استقرارها الاقتصادي، بسبب سوء الإدارة وضعف التدبير”. (8)
ولمعالجة هذا الواقع، اقترحت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية “الهابا” إعداد خطة ومتابعة وتقييم، وقد رأت ضرورة أن تأخذ في الحسبان ثلاثة اعتبارات، هي اعتماد خطة عملية لتنزيل المقتضيات القانونية، واستكمال محددات إصدار البطاقة الصحفية، ومراجعة طريقة توزيع صندوق دعم الصحافة الخاصة، كما رأت – أيضا- أن لجنة مشتركة بينها والوزارة الوصية يمكن أن تنفذ هذه الخطة خلال الفترة 2025 – 2028.
– تعثر تحرير الفضاء
وكما تعثرت تجربة ضبط الإعلام على مستوى الأفراد، والمؤسسات التي تعمل في مجال الصحافة المطبوعة، فإن تجربة الفضاء السمعي البصري لم تكن أفضل حالا، حيث واجهت إكراهات وعقبات أفرغتها من رسالتها وأهدافها، ودفعت بالعديد منها للتوقف عن البث بشكل فعلي، أو التحول إلى بث مسجل دون احترام للالتزامات المترتبة على الرخصة.
بدأت التجربة 2011 عبر الترخيص لخمس إذاعات وقناتين تلفزيونيتين، تبعتها ثلاث قنوات في العام 2013، وفي السنوات الثلاث الأخيرة رخص لثلاث قنوات جديدة.
أما الواقع اليوم، فهو أن القنوات الثلاث الأخيرة هي وحدها التي تعمل بشكل منتظم في ظل وضعية قانونية سليمة، أما البقية، فستّ منها منتهية الترخيص ومتوقفة بشكل كلي أو جزئي، والبقية تعمل دون ترخيص بعد نهاية رخصتها القانونية دون تجديدها.
كما أن مؤسسات الإعلام العمومي (إذاعة موريتانية – قناة الموريتانية) لم توقّع – إلى اليوم – على دفتر الشروط والالتزامات الملزم لها قانونيا مع السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، كما لم توقّع برنامجا تعاقديا مع الحكومة.
ويكشف المسح الذي أعدته السلطة، أن عدد عمال قناة الموريتانية (الرسمية) لا يتجاوز 885 عاملا، 204 منهم فقط يمتلكون عقود عمل، فيما يبلغ عدد عمال إذاعة موريتانيا 1078 عاملا، 180 منهم فقط يمتلكون عقود عمل، (9) أما الوكالة الرسمية فيبلغ عدد عمالها 416 عاملا، 262 منهم لديهم عقود عمل. أما القنوات والإذاعات الخاصة، فبلغ مجموع عمالهم 241 عاملا فقط، 151 منهم لديهم عقود عمل. (10)
هذا الواقع المؤسسي المتأرجح، دفع السلطة لتوقيف المسار عمليا من خلال تأجيل إصدار النصوص المتعلقة بالقنوات الجمعوية، في ظل تعثر تجارب القنوات والإذاعات الخاصة الإخبارية.
– تأرجح على مستوى الحريات
وإذا كان التأرجح والتعثر واضحا في المحاور السابقة، فإنه في مجال الحريات يبدو أوضح وأكثر حضورا، سواء على مستوى الممارسات الميدانية، أو التصنيفات والمؤشرات الدولية.
وهكذا، يتعرض الصحفيون في الميدان لمضايقات دائمة من أجهزة الأمن أثناء أدائهم لمهامهم، تصل أحيانا درجة الاعتداء الجسدي، ومصادرة أدوات عملهم، كما يواجهون ضغوطا رسمية ومجتمعية لمنعهم من أداء مهامهم في كشف الفساد، ومتابعة الاختلالات.
أما على مستوى المؤشرات الدولية، فمثال ذلك آخر تصنيف صادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، الذي كشف عن تراجع موريتانيا بـ17 مرتبة دفعة واحدة خلال العام الجاري؛ إذ انتقلت من المرتبة 33 إلى المرتبة 50، لتفقد بذلك صدارة الدول الأفريقية، مع احتفاظها بصدارة الدول العربية.
وفي الحقيقة، فإن تاريخها مع التأرجح على هذا المؤشر طويل جدا، فخلال عقدين تأرجحت موريتانيا بين مراكز متقدمة جدا يضعها في مقدمة الدول التي تحترم حرية الصحافة، وارتكاس كبير ومتسارع يعيدها إلى عمق الدول المحاصرة لحرية التعبير.
فبين عامي 2005 و2025، بلغت موريتانيا المرتبة الخمسين أو تجاوزتها أربع مرات فقط، فيما جاءت في بقية السنوات في مراتب أدنى، وصلت في بعضها إلى ما بعد المرتبة المئة. (11)
والخلاصة، أن المشهد الإعلامي الموريتاني يمتلك مقومات قوة يمكن البناء عليها لتقديم تجربة إعلامية ناجحة في أبعادها ومكوناتها المختلفة، لكنه في الآن ذاته يحمل نقاط ضعف، واختلالات بنيوية، تشكل خطرا عليه، وقد تدفع بهذه التجربة نحو الفشل.
المصدر: مجلة الصحافة- معهد الجزيرة للإعلام