نساء للولادة ورُضّع للبيع.. ماذا يجري داخل “مصانع الأطفال”؟

كانت الأم في المستشفى، بينما كان رضيعها غائبا عندما وصلت الشرطة للتحقيق في ملابسات الولادة. ولم يكن لدى السلطات في تلك اللحظة جواب عن السؤال الأهم: أين ذهب الطفل؟

أوقفت الشرطة الممرضة التي أشرفت على الولادة، وبدأت البحث عن الرضيع، لكن الخيط الذي قاد المحققين إلى المستشفى بدأ من مكان آخر.

ففي قرية أبارين بمنطقة مووي في ولاية أوغون جنوب غربي نيجيريا، دهمت الشرطة مبنى عثرت داخله على امرأتين حاملين و4 أطفال، وأوقفت 6 أشخاص للاشتباه في صلتهم بالاتجار بالبشر والتبني غير القانوني.

ولم تقل السلطات إن الرضيع بيع أو تعرض للاتجار، كما لم تحدد مكانه حتى الآن، لكن اختفاءه جاء في وقت كانت فيه الشرطة تحقق في منشأة يُشتبه في ارتباطها بما يُعرف في نيجيريا باسم “مصانع الأطفال”.

فكيف تعمل هذه المنظومة؟ وكيف تصل النساء إليها؟ ومن يقرر مصير الطفل بعد ولادته؟

Mothers and their babies wait at a health center which provides vaccinations against polio in Abeokuta, Nigeria, 11 June 2014. German Minister of Economic Cooperation and Development, Gerd Mueller (CSU) traveled to the Nigeria for a three day visit. Photo: HANNIBAL/dpa | usage worldwide (Photo by Hannibal Hanschke/picture alliance via Getty Images)
الشرطة عثرت على امرأتين حاملين و4 أطفال داخل منزل في ولاية أوغون النيجيرية (غيتي)

أماكن لا تشبه المصانع

لا توجد في هذه المنشآت خطوط إنتاج أو آلات، لكن السلطات النيجيرية تستخدم تعبير “مصانع الأطفال” لوصف أماكن ارتبطت باستغلال النساء والأطفال والاتجار بهم، خصوصا في جنوب البلاد.

وتشير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن بعض هذه المنشآت تستغل النساء لإجبارهن على الحمل والولادة، ثم يباع الأطفال أو يُنقلون عبر ترتيبات غير قانونية، بينما قد يتعرض آخرون لأشكال مختلفة من الاستغلال.

أما الوكالة الوطنية النيجيرية لحظر الاتجار بالأشخاص، فتشير في دليل مخصص للصحفيين إلى أن بعض الشبكات تحتجز فتيات ونساء، وتستغل حملهن للحصول على أطفال يمكن بيعهم أو الاتجار بهم.

ولهذا فإن كلمة “مصنع” تصف منظومة أكثر مما تصف مكانا؛ منظومة يمكن أن يتحول فيها الإنجاب من حدث عائلي إلى مصدر للربح.

كيف تصل النساء إلى هذه الأماكن؟

لا تدخل النساء هذه المنشآت بالضرورة وهن يعرفن ما ينتظرهن. قد تبدأ القصة بوعد بالمساعدة أثناء فترة الحمل أو توفير مكان للإقامة أو تأمين تكاليف الولادة أو الحصول على عمل. وفي حالات أخرى، قد ينتهي الأمر بالإكراه أو الاحتجاز وسلب المرأة قدرتها على اتخاذ القرار.

إعلان

وتجعل الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية بعض النساء أكثر عرضة للاستغلال، خصوصا عندما تترافق مع غياب الدعم الأسري أو صعوبة الحصول على الرعاية والخدمات الأساسية.

وهكذا تلتقي حاجة النساء مع طلب أشخاص يبحثون عن أطفال خارج القنوات القانونية، في حين تتولى شبكات ووسطاء تنظيم العملية والاستفادة منها.

النساء قد يصلن إلى هذه المنشآت بعد استدراجهن بوعود بالمساعدة أو العمل
النساء قد يصلن إلى هذه المنشآت بعد استدراجهن بوعود بالمساعدة أو العمل (أسوشيتد برس)

من يشتري الطفل؟

لا تعني الولادة بالضرورة انتهاء الاستغلال. ففي نيجيريا، لا يقتصر الاتجار بالأطفال على التبني غير القانوني؛ فالأطفال الذين يجري الاتجار بهم قد يتعرضون أيضا للعمل القسري والتسول والعمل المنزلي والاستغلال الجنسي، بحسب بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء.

وقد ينتقل الطفل بعد ولادته إلى أسرة أو شخص آخر من دون الإجراءات الرسمية التي تحمي هويته وحقوق والدته، في حين تفقد المرأة تدريجيا السيطرة على مصير طفلها.

وتشير بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى وجود سوق للأطفال الرضع بين أزواج يواجهون صعوبات في الإنجاب، وأن بعض المصادر تقدّر ما يدفعه الراغبون في الحصول على طفل بصورة غير قانونية بين مليون ومليوني نايرا (نحو 600 و1200 دولار)، مع ارتفاع الطلب على الذكور وبيعهم بأسعار أعلى في بعض الحالات.

وبذلك تتحول الولادة إلى نقطة يمكن عندها فصل الطفل عن أمه ودخوله في مسار لا يملك فيه أي قدرة على الاختيار.

لماذا يصعب كشف هذه الشبكات؟

تكمن إحدى مشكلات “مصانع الأطفال” في قدرتها على الاختباء خلف أنشطة تبدو قانونية، مثل دور الأيتام أو مراكز الأمومة أو المؤسسات الدينية.

وقد تنتقل الشبكات من مكان إلى آخر أو تغيّر طريقة عملها بعد اكتشاف إحدى المنشآت، كما أن الاتجار الداخلي يجعل تتبع الأطفال والنساء أكثر صعوبة، إذ لا يُشترط أن تبقى الضحية في المنطقة التي بدأت فيها العملية.

وتشير التقارير الأمريكية إلى أن الاتجار بالبشر في نيجيريا لا يقتصر على نقل الضحايا عبر الحدود، بل يحدث أيضا داخل البلاد، مما يجعل تعقب الشبكات وتحديد جميع أطرافها أكثر تعقيدا. لذلك فإن دهم منشأة وإنقاذ نساء وأطفال لا تعني بالضرورة تفكيك المنظومة بأكملها.

**داخلية** المشتبه بهم الستة في عملية مداهمة مصنع الأطفال بولاية أوغون، والتي كشفت اختفاء رضيع وإنقاذ امرأتين حاملتين وأربعة أطفال.
السلطات النيجيرية تواصل ملاحقة الشبكات التي تستغل النساء والأطفال في هذه المنشآت (الصحافة النيجيرية)

مووي ليست الحالة الأولى

تكشف عمليات السلطات النيجيرية في السنوات الماضية أن قضية “مصانع الأطفال” ليست حادثة منفردة.

فقد أعلنت الوكالة الوطنية لحظر الاتجار بالأشخاص (NAPTIP) في قضايا سابقة إنقاذ حوامل وفتيات وأطفال من منشآت اشتُبه في استخدامها ضمن هذا النشاط.

وقالت الوكالة إن النساء كن محتجزات داخل شقة مستأجرة بعد استدراجهن عبر منصة إلكترونية، وإن دهم المكان جاء بعد بلاغ من مواطن لاحظ تحركات غير معتادة في الموقع.

وفي مايو/أيار من العام نفسه، أعلنت الوكالة إنقاذ 19 فتاة حاملا في أبوجا، وقالت المديرة العامة للوكالة إنهن كن جميعا حوامل من رجل واحد، في واقعة فتحت مجددا النقاش بشأن استغلال النساء في شبكات “مصانع الأطفال”.

وقبل ذلك بعام، أنقذت الوكالة 10 ضحايا، بينهم 6 فتيات حوامل وأم مرضعة وطفلان من منشأة في ولاية أبيا. وقالت إن مشغلة المكان تستغل حاجة النساء وهشاشتهن، في وقت كانت السلطات تتلقى تقارير مقلقة عن بيع الأطفال وانتشار هذه المنشآت.

إعلان

وفي واقعة أخرى تكشف كيف يمكن أن تختبئ هذه الأنشطة خلف واجهات تبدو عادية، أغلقت الوكالة عام 2021 مركزا للأعشاب الطبية في أبيا للاشتباه في استخدامه “مصنعا للأطفال”. وانكشف الأمر بعدما حاولت امرأة تحمل الجنسية النيجيرية والأمريكية مغادرة البلاد برفقة توأمين زعمت أنها أنجبتهما في المركز، قبل أن يظهر فحص الحمض النووي (DNA) أنها ليست أمهما الحقيقية، وأن الطفلين لا تربطهما بها صلة قرابة.

وتقول الأمم المتحدة إن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من ضحايا الاتجار بالبشر عالميا، وتُظهر بيانات عام 2022 ارتفاع عدد الضحايا الذين تمكنت السلطات من اكتشافهم عالميا بنسبة 25% مقارنة بعام 2019، كما زادت حالات استغلال الأطفال في العمل القسري.

فريق جسور

موقع يعنى بنشر الأخبار الوطنية والدولية مع توخي الدقة ومراعاة المهنية، كما يضع ضمن أولوياته تسليط الضوء على قضايا الجاليات الموريتانية في الخارج، وخاصة في غرب إفريقيا، والتحديات التي تواجهها، وإيصال صوتها وربطها بالوطن الأم، ليشكل بذالك ” همزة وصل بين الوطن وأبنائه”.