شهر على حرب إيران.. من اغتيال القادة إلى ضرب الخليج والطاقة

بعد شهر كامل على اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، لم تعد المواجهة مجرد تبادل ضربات بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، بل تحولت إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، بدأت بضربة رأس استهدفت قمة الدولة والقيادة العسكرية، ثم دفعت بكلفة مدنية قاسية داخل إيران، قبل أن تمتد إلى الخليج ولبنان، وتنتقل إلى منشآت الغاز والفولاذ والممرات البحرية.

وحتى 27 مارس/آذار، تجاوز عدد القتلى في إيران 1900 والجرحى 20 ألفا على الأقل، فيما بلغت حصيلة القتلى في لبنان 1142، وسقط 19 قتيلا في إسرائيل و13 عسكريا أمريكيا، إضافة إلى قتلى في عدد من دول الخليج والعراق، بما يعكس اتساع الكلفة البشرية للحرب على مستوى الإقليم كله.

28 فبراير/شباط: ضربة البداية واغتيال قمة الهرم

بدأت الحرب بضربات إسرائيلية ثم أمريكية استهدفت طهران ومدنا إيرانية أخرى، وقالت إسرائيل يومها إنها صفّت نحو 40 قائدا إيرانيا.

وفي الموجة الأولى ثبت مقتل عدد من أبرز أركان الدولة، بينهم المرشد علي خامنئي وأمين عام مجلس الدفاع علي شمخاني وقائد الحرس الثوري محمد باكبور ووزير الدفاع عزيز نصير زاده ورئيس هيئة الأركان المسلحة عبد الرحيم موسوي، ما جعل اليوم الأول يوم استهداف مباشر لرأس النظام ومركز القرار السياسي والأمني والعسكري في إيران.

مجزرة مدرسة البنات الابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران المصدر: الجزيرة نت مهداة للجزيرة نت من المصور الرسمي (الخاص) للجنة تنظيم مراسم تشييع ودفن الشهداء في ميناب
مجزرة مدرسة البنات الابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران (الجزيرة)

مدرسة ميناب.. “الجرح الإنساني الأثقل”

في اليوم نفسه قُصفت مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات في ميناب. وقالت طهران أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن الضربة قتلت أكثر من 175 من الأطفال والمعلمين، فيما أصيب نحو 95 شخص.

وقالت قناة برس تي في الإيرانية اليوم إن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية قتلت 252 طالبة ومعلما وأصابت 184 من كوادر التعليمة.

كما أشارت تحقيقات أمريكية أولية إلى أن القوات الأمريكية مرشحة لأن تكون مسؤولة عن الضربة، من دون إعلان خلاصة نهائية حتى الآن.

الخليج يدخل الحرب من يومه الثاني

في اليوم التالي خرجت الحرب من حدود إيران وإسرائيل إلى الخليج مباشرة. أعلنت الإمارات مقتل 3 أشخاص وإصابة 58 آخرين، بينما تحدثت التغطيات عن اعتراضات وهجمات في الكويت وقطر والبحرين أيضا، بما أكد أن الخليج لم يكن ساحة خلفية للصراع، بل جبهة مباشرة تمس المدن والمنشآت المدنية والتجارية والعسكرية.

فتح جبهة لبنان

في 2 مارس/آذار، دخل حزب الله المواجهة دعما لإيران، لتتحول الجبهة اللبنانية إلى مسرح مواز للحرب. وحتى 27 مارس/آذار، ن قلت رويترز عن مصادر مطلعة أن أكثر من 400 من مقاتلي الحزب قتلوا، فيما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن عدد القتلى في لبنان بلغ 1142، بينهم 122 طفلا و83 امرأة و42 من العاملين الصحيين. بذلك صار واضحا منذ الأسبوع الأول أن الحرب لم تعد ثنائية، بل متعددة الساحات.

سيارة اسعاف تحت الركام نتيجة عدوان اسرائيلي في بلدة جبشيت جنوب لبنان
سيارة اسعاف تحت الركام نتيجة عدوان اسرائيلي في بلدة جبشيت جنوب لبنان (الجزيرة)

موجة اغتيالات ثانية

في الأسبوع الثالث دخلت الحرب موجة اغتيالات جديدة، ففي 17 مارس/آذار أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس، مع ابنه مرتضى لاريجاني ونائب الشؤون الأمنية علي رضا بيات وعدد من مرافقيهم.

وفي اليوم نفسه قُتل غلام رضا سليماني قائد الباسيج، ثم أكدت طهران مقتل وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب أيضا ضمن أبرز القتلى في ضربات 18 مارس/آذار. وهكذا انتقلت الحرب من ضربة رأس أولى إلى استكمال استهداف الحلقة العليا للدولة الأمنية والعسكرية.

ضرب حقل فارس الجنوبي ونقلة الحرب إلى قلب الطاقة

شكّل استهداف منشآت حقل فارس الجنوبي ومرافق عسلوية نقطة تحول واضحة في مسار الحرب. فبحسب المعطيات التي أوردتها التغطيات المحلية نقلا عن إرنا الرسمية، ينتج الحقل أكثر من 70% من الغاز الذي تحتاجه إيران، فيما تفيد رويترز بأن نحو 85% من الكهرباء في إيران تولد بالغاز. لذلك لم يكن ضرب فارس الجنوبي حادثا تقنيا محدودا، بل انتقالا من حرب القيادة إلى حرب الإمداد والطاقة والكهرباء والصناعة.

الخليج يتحول إلى ساحة حرب طاقة

بعد ضرب حقل فارس الجنوبي، اتسعت الهجمات إلى قلب منظومة الطاقة الخليجية. استهدفت إيران منشأة بيرل في مدينة رأس لفان الصناعية شمالي قطر وقالت قطر إن الهجوم على رأس لفان ألحق أضرارا واسعة.

وأوردت رويترز أن منشأة بيرل لتحويل الغاز إلى سوائل تعرضت لأضرار، بينما اندلعت حرائق في وحدات تشغيلية بمصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبد الله في الكويت، وتوقفت مرافق غاز في حبشان بالإمارات بعد حوادث ناجمة عن اعتراض صواريخ، كما تعرضت منشآت في السعودية لهجمات أيضا. عند هذه النقطة صار الخليج قلب الحرب الاقتصادية، لا هامشها.

اندلع حريق في مصفاة ميناء الأحمدي بالكويت بعد هجوم بطائرة مسيرة
حريق اندلع في مصفاة ميناء الأحمدي بالكويت بعد هجوم بطائرة مسيّرة (الأناضول)

هرمز في قلب المعركة

في الأسبوع الرابع، صعد مضيق هرمز إلى مركز المشهد. فالمضيق يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، وقالت رويترز إن الحرب أدت إلى تراجع الصادرات اليومية من المنطقة بما لا يقل عن 60% عن مستويات ما قبل الحرب، وإن المرور عبر هرمز اقترب من الشلل.

وفي هذا السياق، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بضرب محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يفتح المضيق بالكامل، بينما هددت طهران بتوسيع استهداف البنى الطاقية في الخليج إذا تعرضت منشآتها لمزيد من الضرب. هنا لم يعد هرمز مجرد ممر ملاحي، بل أداة ضغط عسكرية واقتصادية وسياسية تحدد إيقاع الحرب.

تفاوض متعثر ومهلة أمريكية جديدة

في الأسبوع الرابع أيضا، برز مسار تفاوضي غير مباشر عبر باكستان، التي نقلت إلى طهران مقترحا أمريكيا من 15 نقطة لوقف الحرب.

لكن إيران اعتبرت الطرح منحازا ونفت وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن قبل أن تعلن أنها سلمت ردها للوسيط الباكستاني على المقترح الأمريكي.

وفي 26 مارس/آذار، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تعليق الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة 10 أيام حتى 6 أبريل/نيسان، قائلا إن المفاوضات تمضي بصورة جيدة، بينما استمرت الضربات والهجمات المتبادلة ميدانيا، ما جعل المسار الدبلوماسي يبدو حتى الآن محاولة لشراء الوقت أكثر من كونه اختراقا حاسما.

توسيع بنك الأهداف إلى الفولاذ والنووي والصناعة

في 27 مارس/آذار، اتسعت الضربات النوعية داخل إيران إلى منشآت نووية وصناعية ثقيلة. وأعلنت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية تعرض منشأة أردكان لإنتاج الكعكة الصفراء، وهي الاسم الشائع لكتل اليورانيوم المركزة التي تنتج بعد استخراج اليورانيوم من خاماته الطبيعية وفصل كثير من الشوائب المصاحبة له، للهجوم. كما أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف منشأة خنداب للماء الثقيل في آراك.

وفي القطاع الصناعي، قالت تقارير إيرانية ومسؤولون محليون إن الضربات طالت فولاذ “مباركة” في أصفهان وفولاذ خوزستان وهما أكبر مصنعين للصلب في إيران، وكذلك مصنع فيروز آباد للإسمنت.

ووفق المعطيات المحلية، أسفر الهجوم على مباركة للصلب عن مقتل شخص وإصابة اثنين، بينما أدى القصف على مصنع فيروز آباد إلى مقتل عاملين وإصابة اثنين، كما أعلن مصنع خوزستان في الأهواز توقف خط الإنتاج.

وتؤشر هذه المرحلة إلى أن الحرب انتقلت من استهداف القادة والمنشآت العسكرية إلى ضرب قاعدة الإنتاج الصناعي والنووي نفسها.

صاروخ انشطاري إيراني أدى إلى دمار كبير في عدد من المباني في إسرائيل (رويترز)

الخليج يتصدر المشهد مجددا والحوثيون يدخلون الحرب

مع اكتمال الشهر الأول، تجددت الهجمات الإيرانية على الخليج، وقالت التغطيات إن ضربات جديدة استهدفت البحرين والكويت والإمارات والسعودية.

وفي الكويت، أعلنت السلطات أن هجمات بمسيّرات تسببت في أضرار كبيرة في نظام الرادار بمطار الكويت الدولي من دون وقوع إصابات.

وفي اليوم نفسه، دخل الحوثيون الحرب مباشرة بإعلان أول هجوم على إسرائيل منذ اندلاع المواجهة، ما وسّع مشهد الحرب من هرمز في الخليج إلى باب المندب والبحر الأحمر أيضا.

خلاصة الشهر الأول

خلال شهر واحد فقط، انتقلت الحرب من اغتيال قمة الدولة الإيرانية إلى مجزرة مدرسة، ثم إلى ضرب الخليج ومنشآت الطاقة، قبل أن تمتد إلى الفولاذ والمواقع النووية والصناعات الثقيلة والممرات البحرية.

والحصيلة الأحدث حتى مساء 28 مارس/آذار تقول إن إيران تكبّدت أكثر من 1900 قتيل و20 ألف جريح، فيما بلغ عدد القتلى في لبنان 1142 منذ فتح تلك الجبهة في 2 مارس/آذار.

والمعنى الأوضح لهذا الشهر الأول هو أن الحرب بدأت بضربة رأس، ثم تحولت سريعا إلى حرب أوسع في الإقليم على البشر والطاقة والصناعة والمضائق البحرية.

فريق جسور

موقع يعنى بنشر الأخبار الوطنية والدولية مع توخي الدقة ومراعاة المهنية، كما يضع ضمن أولوياته تسليط الضوء على قضايا الجاليات الموريتانية في الخارج، وخاصة في غرب إفريقيا، والتحديات التي تواجهها، وإيصال صوتها وربطها بالوطن الأم، ليشكل بذالك ” همزة وصل بين الوطن وأبنائه”.