زلزال سياسي في فرنسا.. هل يطيح الماضي السري ببارديلا ومارين لوبان؟

“إنهم يريدون نظاما عالميا جديدا تهيمن عليه إسرائيل، وتكون القدس، بطبيعة الحال، عاصمته”

بواسطة رسالة نسبها موقع ميديا بارت لجوردان بارديلا رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي ونفاها الأخير

في يوم 28 سبتمبر/أيلول، كانت مارين لوبان في زيارة لمعرض مهنيي البناء بـ”بورت دو فيرساي”، حينما فاجأها صحفيون بسيل من الأسئلة حول ما نسبه موقع ميديا بارت الشهير، في تحقيق جديد له، إلى جوردان بارديلا، رئيس حزبها وحزب والدها، من كلام “معاد للسامية” سبق أن أسر به لمقربين منه في محادثات خاصة قبل سنوات.

لم تكن مارين قد قرأت التحقيق بعد، ولم تكن قد تواصلت مع بارديلا، لكنها، ورغم إنكارها الشديد، أدركت بحسها السياسي أن الأمر جلل، وأن ماضي بارديلا الذي أطل برأسه فجأة يهدد مستقبلها السياسي ومستقبل حزبها بهدم لا قيام بعده. اليهود موضوع حساس جدا، ويحاول الحزب منذ سنوات إبعاد تهمة “معاداة السامية” عن نفسه، لكن الماضي المستمر يبدو كابوسا لن يتخلص منه الحزب الذي شارك في تأسيسه نازيون سابقون، حقيقة لا مجازا.

إنها واحدة من أصعب الأزمات التي تواجه مارين لوبان وحزبها منذ سنوات طويلة، والأكبر منذ وصولها إلى رئاسة الحزب في العام 2011، ثم طرد أبيها وتغيير اسم الحزب في العام 2018. وهي أزمة تتجاوز في خطورتها فضيحة تورط مارين لوبان نفسها في قضايا فساد مالي، أدينت بسببها من القضاء الفرنسي.

Far-right party Rassemblement National (RN) candidate in France's 2027 presidential election Marine Le Pen (C) walks surrounded by the press after taking part in "Le Grand Oral" of the Paris Builders Show, in which candidates in France's 2027 presidential election present their proposals for the construction and housing sector, during the Batimat trade show at the Porte de Versailles exhibition centre in Paris, on September 28, 2026.
مارين لوبان محاطة بالصحفيين خلال معرض “باتيمات” بباريس، حيث واجهت أسئلة بشأن جوردان بارديلا (الفرنسية)

“قطيع أجرب”

خلال الانتخابات التشريعية للعام 2024، تأهلت لوديفين داودي، مرشحة حزب التجمع الوطني، إلى الدور الثاني بعد حصولها على 10 آلاف و458 صوتا، بنسبة 19.95%، وحلت ثالثة خلف كل من جويل برونو، مرشح اليمين الكلاسيكي، وإيما فورو، مرشحة الجبهة الشعبية الجديدة اليسارية. لكن في الوقت الذي كان من المنتظر أن تدخل داودي الدور الثاني، نشرت منافستها اليسارية صورة لها ترتدي قبعة عسكرية كان يرتديها الضباط في سلاح الجو الألماني النازي، “لوفتفافه”. لم يتمكن الحزب من احتواء الجدل حول الصورة، وقال إنها التقطت للمرشحة قبل أن تنتمي إليه، لكن الأمر كان قد قُضي: مرشحة أقصى اليمين باتت خارج السباق.

إعلان

خرجت قيادات الحزب للتأكيد أن الأمر ليس مؤسساتيا. بارديلا، رئيس الحزب، والرجل الذي يستعد لقيادة التجمع الوطني بعد عائلة لوبان، أكد أن هذه “الخراف الجرباء”، كما أسماها، لا مكان لها في الحزب، وأن أي كلام أو أفكار معادية للسامية لا مكان لها في الحزب الذي يعيد تقديم نفسه اليوم على أنه حامي اليهود في فرنسا.

“في كل مرة كانت هذه الحوادث تُعالج إما بالتبرير أو بالطرد، لكن الجديد هو أن قائد القطيع يبدو أنه حمل الأفكار ذاتها التي طالما ادعى أنه سيحاربها”

بيد أنه لن يكون من الصعب إيجاد مجموعة من الأسماء ذات الارتباط الواضح مع الأيديولوجية النازية والأفكار الموغلة في العنصرية بشكل عام، التي ترشحت باسم الحزب في عدد من الاستحقاقات الانتخابية، أو المقربة من قياداته، ولن يصعب على وسائل التواصل إيجاد العديد من التدوينات العنصرية في الحسابات الخاصة، مثل تدوينة ناتالي أوبير، مرشحة التجمع الوطني للانتخابات التشريعية عام 2024، ثم لرئاسة بلدية كولمار عام 2026.

ففي عام 2023، نشرت أوبير على حسابها في فيسبوك تركيبا يجمع غلاف ألبوم “تان تان في الكونغو” وصورة قارب مكتظ بمهاجرين سود، بعد أن حورت العنوان إلى “الكونغو عند تان تان”، وأرفقته برمز تعبيري ضاحك. وبعد كشف المنشور في الصحافة، حذفته؛ وقال فريقها لاحقا إنها اعتذرت عنه وندمت عليه. ويقلب التركيب اتجاه الرحلة الواردة في عنوان الألبوم، ليصور وصول المهاجرين السود إلى أوروبا بوصفه موضوعًا للسخرية.

في كل مرة كانت هذه الحوادث تُعالج إما بالتبرير أو بالطرد، لكن الجديد هو أن قائد القطيع، الذي أكد تنقية قطيعه من “الخراف الجرباء”، يبدو أنه يحمل الأفكار ذاتها التي طالما ادعى أنه سيحاربها.

Ludivine Daoudi لوديفين داودي، ترتدي القبعة النازية المصدر: حساب على إكس Il Politico Web @ilpolitico_web https://x.com/ilpolitico_web/status/1808074034241843298/photo/1
لوديفين داودي في صورة تظهرها مرتدية قبعة لضابط في سلاح الجو النازي (إيل بوليتيكو ويب على إكس)

الأزمة الكبرى

في 28 سبتمبر/أيلول، نشر موقع التحقيقات الصحفية ميديا بارت تحقيقًا يقول إنه وضع يده على مراسلات للرئيس الحالي لحزب التجمع الوطني تعود إلى بداياته السياسية، وتكشف هذه المراسلات عن أفكار تُصنف اليوم في فرنسا، دون لبس، معادية للسامية.

في هذه المحادثات ينتقد بارديلا ملكية اليهود، على حد قوله، لجميع المصارف، ويقول إن اليهودي “يعتقد أنه يجب أن يهيمن على جميع الشعوب الأخرى ويسحقها ويسرقها”. وتذكر الرسائل المفكرين الفرنسيين برنار هنري ليفي وجاك أتالي بوصفهما مثالين ضمن هذا التصور التآمري، قبل الحديث عن “نظام عالمي جديد تهيمن عليه إسرائيل، وتكون القدس عاصمته”.

وفي محادثة أخرى، تزعم الرسائل أن الحقائب الوزارية الأكثر أهمية “تؤول إلى أشخاص تتقدم لديهم إسرائيل والمصلحة المصرفية على المصالح الفرنسية”، مستهدفة ثلاثة وزراء في حكومة جان مارك أيرولت خلال رئاسة فرانسوا هولاند: لوران فابيوس، وزير الخارجية، وبيير موسكوفيتشي، وزير الاقتصاد والمالية، ومانويل فالس، وزير الداخلية. وينفي بارديلا أن يكون كاتب هذه الرسائل، فيما يقول ميديابارت إنه وثقها ونشر أدلة إضافية تربطها ببارديلا.

وبحسب التحقيق، كان بارديلا حينها فاعلا داخل الجبهة الوطنية بمسقط رأسه سين سان دوني، وتظهر الكتابات التي تنسبها ميديا بارت إليه هوسه بمخاوف “السيطرة الصهيونية” على البلاد. في هذه الفترة، يبدو أن بارديلا كان متأثرًا بالمفكر الفرنسي آلان سورال، وهو كاتب ومفكر يميني ينظر لمشروع يرتكز على خطورة اللوبي اليهودي في فرنسا والعالم، وخطورة إسرائيل كدولة على النظام العالمي والشعوب، سواء في المنطقة العربية حيث زُرعت، أو في العالم بأسره. ويعيش سورال حاليا في روسيا فرارا من قرار اعتقال أصدرته بحقه السلطات الفرنسية.

وفقًا لتحقيق ميديا بارت أنه حين كان بارديلا ناشطًا في الجبهة الوطنية بمنطقة سين سان دوني كشفت مراسلات منسوبة إليه عن أفكار معادية للسامية
وفقًا لتحقيق ميديا بارت أنه حين كان بارديلا ناشطًا في الجبهة الوطنية بمنطقة سين سان دوني كشفت مراسلات منسوبة إليه عن أفكار معادية للسامية (الفرنسية)

في العام 2013، كتب بارديلا عن سورال: “تحليلاته صحيحة لأن كل شيء يتأكد في الواقع، لقد باتت فرنسا باتت تخضع لمنطق صهيوني، حيث إن الصهيونية والهيمنة المصرفية مرتبطتان”. وأكد شخص مقرب من الرئيس الحالي لحزب التجمع الوطني أن الأخير شاهد “كيلومترات من فيديوهات سورال” وقرأ كتبه، حيث كان يكون نفسه سياسيا على هذه الأفكار.

إعلان

ومن الأسماء الأخرى التي وردت في التحقيق الكوميدي ديودونيه، الذي مُنعت بعض عروضه في فرنسا على خلفية مواقف مناهضة لليهود وإسرائيل. وكان جوردان بارديلا قد شبه، في لقاء صحفي سابق، كلام خصمه اليساري جان لوك ميلانشون بكلام ديودونيه عن اليهود وإسرائيل. المفارقة أن التحقيق ينسب إلى بارديلا موقفا مختلفا في شبابه؛ إذ كان يرى أن ديودونيه يطرح أفكارا جذابة، وربط بين هذه الأفكار وانفصال الكوميدي عن شريكه الفني اليهودي إيلي سيمون. وبعد نشر التحقيق، نُقل عن ديودونيه رد ساخر على بارديلا، قال فيه إنه يتذكر جيدا حضوره بعض عروضه، وإنه كان يضحك على نكات جريئة بطريقة صدمت ديودونيه نفسه. وأضاف، على سبيل التهكم، أن ذراع بارديلا كانت ترتفع “أكثر من المعتاد”، في تلميح “فكاهي” إلى التحية النازية.

يضع التحقيق صورة بارديلا السياسية الحالية في مواجهة رسائل ينسبها إليه منذ بدايات نشاطه في الجبهة الوطنية. ففي إحدى هذه الرسائل، يزعم أن بيير موسكوفيتشي، وزير الاقتصاد والمالية آنذاك، يريد “إنقاذ الشركات” من أجل “الانتقام لموسى”، وهي عبارة تصبغ دوافع دينية على سياساته الاقتصادية. وفي رسالة أخرى، يربط بين الصهيونية والهيمنة المصرفية، ويذكر بنوك “غولدمان ساكس” و”روتشيلد” و”ليمان براذرز”. وهي كتابات يصفها ميديابارت بأنها تكشف “معاداة للسامية ونزعة تآمرية”، بينما ينفي بارديلا أن يكون كاتبها.

تشير الرسائل إلى ما هو أبعد من ذلك من اعتناق بارديلا في مرحلة ما من حياته لأفكار تنتمي إلى عالم نظريات المؤامرة. منها أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول ما هي إلا مخطط من الموساد، وأن مارين لوبان إن وصلت إلى السلطة، فسيتم اغتيالها في حادث طائرة أو هجوم ينفذه شخص يدعي أنه “إسلامي متطرف مجنون”.

ربطة عنق

قد يتساءل قارئ هذا المقال: ما هي الأزمة أو الفضيحة في كل ما سبق؟ هذه النظريات تنتشر في كل مكان وتحضر في خطاب الكثير من السياسيين. المشكلة الحقيقية هي أن حزب التجمع الوطني بنى صورته الجديدة كلها على محاربة الصورة القديمة التي خلفها جان ماري لوبان: حزب ذي نفس نازي معاد للسامية ويعتبر أن المحرقة هي مجرد تفصيلة بسيطة في الحرب العالمية الثانية.

ركز حزب التجمع الوطني حديثا على الإسلام باعتباره عدوا للجميع، الحزب والجمهورية الفرنسية والغرب بأسره واليهود أيضا. لذلك، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كان موقف حزب بارديلا ولوبان حاسما وواضحا رغم كل المجازر الصهيونية: إسرائيل حليف أمام عدو واضح هو الإسلام. لهذا السبب، كان بارديلا حاسما أيضا، حسب التقرير، عندما بلغه نبأ إسلام أحد المنتسبين للحزب، حيث لم يتردد في طرده، معتبرا الإبقاء على هذا العضو يشكل خطرا داهما على الحركة كلها.

“ركز حزب التجمع الوطني على الإسلام باعتباره عدوا للجميع، الحزب والجمهورية الفرنسية والغرب بأسره واليهود أيضا”

بعد طرد جان ماري لوبان من الحزب في أغسطس/آب 2015، إثر تأكيده غير ما مرة أن غرف الغاز مجرد تفصيلة صغيرة في الحرب العالمية الثانية، كانت مارين لوبان ترغب في الخروج بالحزب من بوتقة معاداة السامية، حيث علمت جيدا أن معاداة اليهود في فرنسا ستعرقل أي تقدم سياسي في بلاد تحتل فيها الجالية اليهودية مكانة مميزة في الرأي العام السياسي والثقافي.

على ضوء كل ذلك، تتضح خطورة بعض المعلومات التي نشرها موقع ميديا بارت. ففي إحدى الرسائل، يقول جوردان بارديلا بشكل واضح إنه معجب بالحزب لأنه “الوحيد الذي حافظ على هويته ومبادئه الأساسية منذ التأسيس”، وهو ما يمكن تفسيره بسهولة بالعودة إلى إرث مؤسسي الحزب الذين كان من بينهم ضباط نشطوا في صفوف القوات النازية، وآخرون ساعدوا على بسط سلطة نظام فيشي الذي سلم البلاد لقوات هتلر. لكن، في نفس الوقت، يستدرك مشيدًا بمارين لوبان لقدرتها على الحفاظ على مبادئ الحزب مع نزع الشيطنة عنه وتبديد صورته النمطية كحزب عنصري معاد لليهود والأجانب.

أدرك بارديلا أهمية هذه الإستراتيجية التي سيكون هو نفسه أحد أهم أسسها، فالحزب بات يقدم نفسه عبر شاب وسيم يشبه في مظهره موظفا حكوميا أو عاملا في مؤسسة بنكية، بعيدا عن “السكينهاد” أو الرؤوس الحليقة التي ارتبطت صورهم بالصورة النمطية لليمين المتطرف. في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، وحينما كان الحزب يستعد لانتخابات مارس/آذار 2015 الإقليمية، كتب بارديلا لقواعد الحزب، بعد أن بات مسؤولًا عن منطقته الجغرافية: “أصدقائي الأعزاء، كما هو الحال في كل حملة انتخابية، لسنا بمنأى عن عاصفة إعلامية جديدة، ينظمها منافسونا الباحثون عن الشهرة، بشأن أدبياتنا و/أو الصور التي ننشرها”.

إعلان

ويتابع: “رغم أننا نكرر ذلك في كل اجتماع”، فإن “تعليماتنا تواجه، على ما يبدو، صعوبة في أن تُحفظ وتُحترم من قبل البعض”، لذلك على مسؤولي الفروع “التحقق” جيدًا، أو “طلب التحقق”، من المحتويات المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي. كما يجب ألا يتسرب أي شيء من المراسلات الداخلية. ويقول جوردان بارديلا، في محادثة أخرى خلال صيف 2013، مؤكدا أنه يستلهم مكيافيلي: “منذ أن أصبحت مارين على رأس الحزب، تتلقى ميثاقا عندما تنضم، وبصفتك ناشطا يجب أن تكون مثاليًا. خصوصا في الخطاب الذي تتبناه، السياسة هي التواصل”.

دفعت إستراتيجية نزع الشيطنة لدى التجمع الوطني مارين لوبان إلى المشاركة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في المسيرة المناهضة لمعاداة السامية، والتي تم تنظيمها عقب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كما توجه جوردان بارديلا إلى القدس المحتلة في مارس/آذار 2025، في زيارة أثارت جدلا واسعا، خصوصًا أنها جاءت بدعوة من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وبعد عودته من دولة الاحتلال، ندد السياسي الفرنسي الشاب، الذي كان يصف نفسه في الجلسات الخاصة بـ”عدو الصهيونية”، باعتراف فرنسا بدولة فلسطينية، نفس الإجراء الذي كان يدافع عنه وريث لوبان المفترض حتى عام 2014.

زيارة جوردان بارديلا (يمين) إلى إسرائيل عام 2025 أثارت جدلا واسعا
زيارة  جوردان بارديلا (يمين) إلى إسرائيل عام 2025 أثارت جدلا واسعا (الفرنسية)

لذلك، كانت زيارة جوردان بارديلا لإسرائيل استثنائية، فقد كانت الأولى من نوعها لرئيس الحزب ذي “الجذور النازية” إلى دولة تعرف نفسها على أنها وطن قومي لليهود. كانت الزيارة فرصة بارديلا المثالية لتقديم نفسه وحزبه على أنه أفضل درع لليهود في فرنسا، مستمعا إلى النصيحة التي قالها لويس أليو، القيادي التاريخي للحزب الذي زار إسرائيل عام 2014، والذي أكد ضرورة تخلص الحزب من اتهامات معاداة السامية من أجل إعادة تأهيل نفسه سياسيا، حيث قال في نقاش مع المؤرخة الفرنسية فاليري إيغونيه: “معاداة السامية هي التي تمنع الناس من التصويت لنا. لا يوجد سوى ذلك… بمجرد أن تنجحوا في إسقاط هذا القفل الأيديولوجي، فإنكم تحررون كل شيء”.

سعى لويس أليو كثيرا إلى تمكين مارين لوبان من زيارة إسرائيل، وانتظرت الأخيرة الدعوة القادمة من تل أبيب طويلا، لكنها لم تأت. بيد أنه، وبجانب بارديلا، وفي نفس الزيارة، رافقت “لوبان أخرى” رئيس حزب التجمع الوطني، وهي ماريون ماريشال لوبان، آخر عنقود الفكر “المتطرف” للعائلة، والمعروفة بعلاقاتها بالعديد من الجمعيات اليمينية الفاشية، والتي تضم العديد من الشباب ذوي الفكر النازي الواضح. لذلك صرحت مارين لوبان، تعليقا على هذه الزيارة: “إنه أمر تاريخي بلا شك”.

“اعتبر محيط ماريون ماريشال لوبان أن هذه الزيارة هي شهادة صداقة للشعب الإسرائيلي”

اعتبر محيط ماريون ماريشال لوبان أن هذه الزيارة هي شهادة صداقة للشعب الإسرائيلي، فهي محاولة صلح تحاول من خلالها عائلة لوبان التنصل نوعًا ما من ماضيها المليء بالعداء لليهود، لكن رغم كل شيء، لا يزال عدد من القيادات اليهودية الفرنسية واللوبي اليهودي في البلاد يدين بالعداء لأقصى اليمين الفرنسي، كون الحزب لم يتغير كثيرا من وجهة نظرهم، ولا يزال يحمل الكثير من أفكاره الحقيقية التي يخفيها تجملا وسياسة.

ماريون مارشال خلال مشاركتها في مؤتمر لمكافحة معاداة السامية في القدس
ماريون مارشال خلال مشاركتها في مؤتمر لمكافحة معاداة السامية في القدس (الفرنسية)

نأى يوناتان أرفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا “كريف”، بالمؤسسات اليهودية الفرنسية عن هذه الدعوة. وقال، في حديث لإذاعة “آر إم سي” يوم 24 مارس/ أذار 2025، إنها تعكس خيارات الحكومة الإسرائيلية ولا تُلزم المؤسسات اليهودية في فرنسا. واتهم التجمع الوطني بتوظيف مكافحة معاداة السامية لتقديم نفسه في صورة جديدة، ضمن إستراتيجية للوصول إلى السلطة. وردت مارين لوبان في اليوم التالي، واصفة أرفي بأنه “رجل يساري” و”كريف” بأنه “هيئة يسارية” تتخذ مواقف وفق قناعاتها السياسية، لا وفق مصالح اليهود الفرنسيين. ودعت هؤلاء اليهود إلى تخليص المؤسسة مما وصفته بـ”توجهها اليساري”، حتى تستعيد دورها في حمايتهم “من دون تلون سياسي”.

منذ تنصيبها على رأس الحزب، عملت مارين لوبان على تحويله إلى آلة انتخابية للوصول إلى الحكم، عبر توظيف الكوادر وتكوينهم، وإنشاء مراكز تفكير وهيئات مهنية، واستقطاب منتخبين وقادة نقابيين وسياسيين من أحزاب منافسة، وبناء شبكة محلية، والنشاط على مواقع التواصل؛ أدوات تهدف إلى السيطرة تدريجيًا على مستويات السلطة من المحلي إلى الوطني.

إعلان

حاولت لوبان قطع كل العلائق مع خطابات والدها جان ماري لوبان. حافظت على الأفكار الكبرى، لكنها غيرت اللهجة كثيرا، أو قليلا، فلم تعد تستخدم كلمة العرق، على عكس أبيها الذي كان يتحدث دائمًا عن تفوق العرق الأبيض على باقي الأعراق. أخفت مارين لوبان جميع التصريحات والتصورات والتوجهات ذات العداء اللفظي ضد اليهود، وبدأت تقدم نفسها والحزب على أنهما درع اليهود في مواجهة “الأصولية الإسلامية” التي تهدد الغرب وإسرائيل، كما كان يقول نتنياهو ولا يزال.

President of the French far-right National Rally (Rassemblement National-RN) party Jordan Bardella and Marine Le Pen, parliamentary party leader of the French far-right National Rally, attend a political rally to launch the party's campaign for the European elections, in Marseille, France, March 3, 2024. REUTERS/Gonzalo Fuentes
جوردان بارديلا يدرك أن كل ما بناه هو ومارين لوبان قد ينهار على رأس الجميع (رويترز)

المرور إلى المقصلة

يدرك جوردان بارديلا أن كل ما بناه هو ومارين لوبان قد ينهار على رأس الجميع، ويدرك جيدا أنه إن كان هناك من يقدر على المعبد  فوق رؤوس الجميع، فليس هناك مرشح أفضل من ميديا بارت، وسيلة الإعلام التي أنهت المسيرة السياسية للكثيرين، وساهمت في دفع آخرين إلى الزنازين بدل المكاتب الفارهة وغرف قصر ماتينيون (مقر عمل الحكومة الفرنسية) البديعة.

في 16 مارس/آذار 2011، خرج سيف الإسلام القذافي في مقابلة مع قناة يورونيوز ليعطي تصريحات غاية في الخطورة، حينما أكد أن نظام والده مول حملة نيكولا ساركوزي لعام 2007، وطالبه بإعادة الأموال، وقال إن لدى العائلة التفاصيل والحسابات المصرفية والوثائق والتحويلات. مباشرة بعد ذلك، بدأت التحقيقات، فنشر الموقع تحقيقا حول رجل الأعمال الفرنسي زياد تقي الدين الذي كان وسيطا بين ليبيا القذافي وساركوزي، وتناول التحقيق الدائرة المقربة من الرئيس الفرنسي السابق. بعد ذلك، توالت التحقيقات حول الموضوع وكبر النقاش في فرنسا حتى انتهى ساركوزي أمام القضاء.

لعب موقع ميديا بارت دورا مهما جدا في العديد من القضايا السياسية الكبرى، من أهمها قضية وزير المالية في عهد فرانسوا هولاند جيروم كاهوزاك، الذي كشف تحقيق للموقع أنه يملك حسابا غير معلن في سويسرا ما يعني شبهة قوية للتهرب الضريبي. خرج الوزير وأكد أن هذا ليس صحيحا، وأكد ذلك أيضا أمام الجمعية الوطنية، وأنه واثق من عدم صحة ما نشرته ميديا بارت، لكن بعد ذلك ظهر كل شيء، وتبين أن الوزير لم يقل الحقيقة، وكان يملك حسابا في الخارج، فانتهت بذلك مسيرته السياسية تقريبا.

“لعب موقع ميديا بارت دورا مهما جدا في العديد من القضايا السياسية الكبرى”

هناك أيضا قضية المستشار السياسي السابق لفرانسوا هولاند أكيلينو موريل، الذي كشف تحقيق لميديا بارت علاقته بصناعة الأدوية واحتمال تضارب المصالح. بعد ساعات من التحقيق، قدم الرجل استقالته. هذا بجانب تحقيقات أخرى مهمة أظهرت ممارسات فساد وفضائح جنسية لعدد من السياسيين الفرنسيين، الذين جمعهم أن ميديا بارت وضعت حدا لسيرتهم السياسية.

يدرك جوردان بارديلا أن مقصلة ميديا بارت قوية جدا، وأنه إذا فشل في نفي ما أورده الموقع، فإن ثمن ذلك قد يصل إلى إنهاء مستقبله السياسي. لذلك كان الإنكار أول شيء أقدم عليه، ثم بعد ذلك رفع دعوى ضد الموقع، لكنه اختار الطريق القانوني الأطول عبر المساطر البطيئة، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لكسب الوقت، فالنطق بالحكم المبدئي لن يصدر قبل عام ونصف على الأقل، ما يتيح لمارين لوبان مواصلة حملتها الرئاسية قبل صدور الحكم الذي قد يؤكد صحة ما قدمته ميديا بارت من دلائل.

خرج بارديلا للتأكيد أنه لم يكتب ما ورد، ثم بعد ذلك خرج لمهاجمة ميديا بارت، ثم قال إنه لم يعد يملك الحساب الذي تقول ميديا بارت إنه له، لكنه لم يعط دليلا على كذب ما نقله الموقع الفرنسي. أما ميديا بارت، فنشر في مقال مستقل طريقة تأكده من المحادثات ومن أن بارديلا يملك الحساب فعلا، عبر التواصل بشكل مباشر مع شركة ميتا المالكة لفيسبوك، والتي أكدت صحة المحادثات، كما عرض كل الأدلة على مفوض قضائي. أكد الموقع أن ما نشره من دلائل يقيني لا يتسرب إليه أي قدر من الشك، وأنه قادر على إثبات صحته أمام أي جهة.

تستعد مارين لوبان لحرب ضروس من أجل فرصة أخيرة للوصول إلى كرسي الرئاسة، بدا كل شيء ممهدا، استطلاعات الرأي تؤكد أنها تتفوق على الجميع في الدورين الأول والثاني، لكن قضية بارديلا جاءت لتبعثر بعض الأوراق، خصوصا أن العلاقة بين لوبان وخليفتها ليس على أحسن ما يرام. لقد جاءت هذه الأزمة لتحول الرجل الذي عولت عليه لنزع الشيطان بين ليلة وضحاها، إلى الشيطان نفسه الذي يهدد الحزب ومستقبله في ذروة نجاحه السياسي.

فريق جسور

موقع يعنى بنشر الأخبار الوطنية والدولية مع توخي الدقة ومراعاة المهنية، كما يضع ضمن أولوياته تسليط الضوء على قضايا الجاليات الموريتانية في الخارج، وخاصة في غرب إفريقيا، والتحديات التي تواجهها، وإيصال صوتها وربطها بالوطن الأم، ليشكل بذالك ” همزة وصل بين الوطن وأبنائه”.