النضال من أجل الاعتراف: الغامبيون المثقفون والدارسون بالعربية والانتهازية السياسية / باسيديادرامي

جسور نت – (مقالات) : تعود التحديات والعقبات التي تواجه الغامبيين الدارسين والمثقفين بالعربية إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما عاد عدد كبير منهم إلى البلاد بعد إتمام دراستهم في مصر وغيرها من الدول العربية. وبآمال وطموحات كبيرة في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، وجد كثير منهم أن الخيار المهني الوحيد المتاح أمامهم هو التدريس، إذ كانت السلطات تنظر إلى التعليم العربي أساسا باعتباره تعليما إسلاميا، وتختزل مؤهلات خريجيه في وصف «معلمي القرآن».
وقد شكلت زيارة الرئيس الغامبي الأسبق داودا كيرابا جاوارا إلى مصر نحو عام 1971 محطة لافتة في هذا السياق، إذ التقى خلال الزيارة بالطلاب الغامبيين في القاهرة. وعندما علم أنهم يدرسون في جامعة الأزهر، قال لهم باستخفاف: «إذن أنتم تدرسون الدين. وعندما تعودون، لن يكون بإمكانكم سوى بناء المساجد».
ولم يلق هذا التعليق قبولا لدى الطلاب، فبادر أحدهم إلى التوضيح بأن طلابا من دول مجاورة، مثل السنغال ومالي وغينيا، كانوا يدرسون أيضا في الأزهر، ويحظون باعتراف حكوماتهم بدراساتهم ومؤهلاتهم.
وقد عكست هذه الواقعة تصورا اجتماعيا راسخا كان يحصر خريجي التعليم العربي في أدوار مرتبطة بالمساجد والفصول الدراسية، دون الاعتراف بما يمتلكونه من معارف ومهارات يمكن أن تؤهلهم للعمل في مختلف مؤسسات الدولة.
ونتيجة لذلك، واجه خريجو أوائل سبعينيات القرن الماضي صعوبات كبيرة في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم. وحتى المتعلمون الذين كانوا يجيدون لغتين كانوا غالبا ما يحصرون في وظائف «معلمي القرآن»، إلى أن أصبح الإمام بابا أبوبكر درامي عام 1973 أول غامبي مثقف بالعربية يلتحق بالسلك الدبلوماسي، عندما عين مترجما وملحقا قنصليا في السفارة الغامبية التي أنشئت حديثا في المملكة العربية السعودية.
ثم حقق لاحقا إنجازات دبلوماسية بارزة، من بينها أن أصبح نائبا لرئيس بعثة غامبيا الدبلوماسية في الولايات المتحدة، وأول قنصل عام للبلاد لدى غينيا بيساو. واللافت أن السفير درامي كان، قبل هذه التعيينات المرموقة، يعمل «معلما للقرآن»، كما عانى من البطالة لمدة عامين بعد أن رفض عرضا للتدريس بأجر زهيد لم يتجاوز 25 جنيها إسترلينيا.
ومن بين الغامبيين الآخرين ثنائيي اللغة الذين شغلوا مناصب بارزة في الخدمة العامة: البروفيسور عمر جاه الأب، الذي شغل منصب سفير لدى المملكة العربية السعودية عام 1982؛ والراحل سامبو غاساما، الذي عمل في البداية دبلوماسيا في وزارة الخارجية قبل إلحاقه بمنظمة الوحدة الأفريقية والاتحاد الأفريقي؛ والسيد كيبا جان، الذي بدأ مسيرته المهنية معلما قبل أن يشغل منصب نائب مفوض إقليم النهر السفلي، ثم منصب نائب الأمين الدائم بوزارة الحكم المحلي والأراضي؛ والراحل منغوم سيسي، الذي شغل بدوره منصب سفير غامبيا لدى المملكة العربية السعودية، والراحل سليمان كيتا الذي تولى هو الآخر منصب حاكم إقليم الصفة السفلى ونائب الأمين الدائم لوزارة الحكم المحلي والأراضي، ثم منصب الزعيم التقليدي لمقاطعة نيامينا دانكونكو.
كما شغل البروفيسور أبوبكر سنغور منصبي وزير الخارجية ووزير التعليم العالي، بينما عين في الآونة الأخيرة الدكتور عمر جاه الابن سفيرا لغامبيا لدى دولة قطر. وتبرهن هذه التعيينات على ما يتمتع به الغامبيون المتعلمون بالعربية من قدرات وكفاءات تؤهلهم لتولي مناصب عليا داخل جهاز الدولة والسلك الدبلوماسي.
ومع ذلك، من الجدير بالذكر أن معظم هؤلاء بدأوا مسيرتهم المهنية مدرسين قبل أن يتمكنوا من الولوج إلى مؤسسات الخدمة المدنية الرسمية. والأكثر إثارة للتساؤل أن المناصب الدبلوماسية لا تزال تشهد هيمنة واضحة للغامبيين المتعلمين في المؤسسات التعليمية الغربية، حتى عندما يتعلق الأمر بالبعثات الدبلوماسية لدى الدول العربية.
ويطرح هذا التفاوت أسئلة جوهرية حول مدى الاعتراف الحقيقي بالتعليم العربي، ومدى إدماج خريجيه في هياكل الخدمة العامة والسلك الدبلوماسي في البلاد. فإذا كان التعليم العربي قد أثبت، من خلال تجارب عدد من الشخصيات، قدرته على إعداد كوادر قادرة على تولي أعلى المناصب، فلماذا لا يزال الاعتراف بهذه الكفاءات محدودا، ولماذا لا تزال فرصها في الوصول إلى مؤسسات الدولة أقل من غيرها؟
وفي رأيي، فعلى الرغم من حدوث بعض التحسن في النظرة إلى المتعلمين بالعربية في غامبيا، ولا سيما في عهد الرئيس الأسبق يحيى جامي، فإن المفاهيم الخاطئة لا تزال قائمة. فما زالت شريحة مهمة من المجتمع تساوي بين التعليم العربي والتعليم الشرعي، الأمر الذي يؤدي إلى وضع من يختارون هذا المسار التعليمي في مرتبة اجتماعية ومهنية أدنى، وكأن دراسة اللغة العربية أو العلوم الإنسانية والشرعية لا يمكن أن تفتح أمام صاحبها سوى أبواب المسجد أو الفصل الدراسي.
وخلال الفترات الانتخابية، كثيرا ما يتعهد السياسيون بتحسين أوضاع المدارس العربية والإسلامية، أو ما يعرف بالمدارس القرآنية، سعيا إلى استمالة هذه الفئة وكسب أصواتها. وقد أطلق زعيم المعارضة الرئيسي، المحامي حسينو دابو، تعهدات من هذا القبيل خلال حملة انتخابات عام 2021. ومع اقتراب غامبيا من الانتخابات الرئاسية الحاسمة لعام 2026، تعهد زعيم حزب «يونيت» (UNITE)، طالب بنسودة، بدوره بتعيين مواطنين ناطقين بالعربية في مناصب دبلوماسية لدى الدول العربية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين هي السياسات المستدامة التي تضمن الاعتراف الحقيقي بالمتعلمين بالعربية، بعيدا عن الوعود الانتخابية المؤقتة؟
ويبدو أن أيا من الأحزاب السياسية لم يضع حتى الآن سياسات واضحة وملموسة للارتقاء بمكانة المتعلمين بالعربية وإدماجهم بصورة عادلة في مؤسسات الدولة؛ بل إن هذه الفئة السكانية غالبا ما لا تحظى بالاهتمام السياسي إلا خلال الحملات الانتخابية، عندما تصبح أصواتها هدفا للمنافسة والاستقطاب.
والحال أن الغامبيين الذين تلقوا تعليمهم في البلدان العربية يمتلكون اليوم خبرات وتخصصات متنوعة تشمل القانون، والهندسة، والعلوم والتكنولوجيا، ودراسات الترجمة، والشريعة الإسلامية، واللسانيات، والإدارة، والسياسة، وعلم الاجتماع، والطب، وغيرها من المجالات. ولم يعد من المقبول اختزال هذه الكفاءات في صورة «معلمي القرآن» أو حصر أدوارها في المساجد والفصول الدراسية.
لقد آن الأوان لوضع حد للوصمة التي تلحق بهذه الشريحة الحيوية من المجتمع، والاعتراف بأن التعليم العربي، شأنه شأن غيره من مسارات التعليم، يمكن أن يكون رافدا مهما من روافد بناء الدولة وتطوير مؤسساتها.
إن هذه الوضعية تستدعي تغييرا حقيقيا في النظرة والسياسات والممارسات. وعلى المتعلمين بالعربية أن يدافعوا بصورة فاعلة عن حقوقهم ومكانتهم، وأن ينخرطوا بقدر أكبر من الحزم والثقة في المشهد السياسي والعام، وألا يظلوا في موقع المتلقي السلبي للوعود الانتخابية. فالمطالبة بالاعتراف لا ينبغي أن تقتصر على انتظار مبادرات السياسيين، بل يجب أن تتحول إلى قضية عامة يتبناها أصحاب الكفاءة أنفسهم، من خلال التنظيم والمشاركة السياسية والمجتمعية، والمطالبة بسياسات عادلة تضمن تكافؤ الفرص.
فقد أثبتت التجارب أن الكفاءة لا ترتبط بلغة التعليم، وأن من تلقوا تعليمهم بالعربية قادرون، متى أتيحت لهم الفرصة، على الإسهام في مختلف قطاعات الدولة والمجتمع. وما تحتاجه غامبيا اليوم ليس مزيدا من الوعود الموسمية، بل رؤية واضحة تعترف بهذه الكفاءات وتستثمر فيها، وتضع حدا لعقود من التهميش والاختزال.
إن الغامبيين المثقفين والدارسين بالعربية ليسوا مجرد «معلمين للقرآن»، ولا ينبغي أن تبقى مؤهلاتهم حبيسة زوايا الفصول والمساجد. إنهم جزء أصيل من النخبة العلمية والمهنية في البلاد، ومن حقهم أن يحظوا بالاعتراف الذي تستحقه كفاءاتهم، وأن تكون أمامهم الأبواب نفسها التي تفتح أمام غيرهم.
بقلم : أ. باسيديا درامي: كاتب صحفي المدير الناشر لموقع أخبار غامبيا بالعربية