سجال سياسي واقتصادي حول التمويلات الدولية ومؤشرات المديونية العامة

أثارت تدوينة موجزة للنائب البرلماني محمد بوي الشيخ محمد فاضل نقاشاً وسجالاً واسعاً داخل الساحة السياسية والاقتصادية الوطنية حول استراتيجيات الاستدانة، كفاءة التسيير المالي، ووتيرة تنفيذ المشاريع المموّلة خارجياً، عقب مقابلته بين حجم التمويلات المقدمة من البنك الدولي لموريتانيا في الحقبة الممتدة من (1960–2019) مقابل تلك المعتمدة في الفترة بين (2019–2026).
وانقسم الفاعلون والمحللون إزاء الملف إلى ثلاثة مواقف متباينة بين قراءة نقدية لآليات التنفيذ والشفافية، ورؤية تفكيكية دفاعية من الأغلبية، ومطالب حكاماتية ومؤسسية حُزبية.
خريطة المواقف القائمة حول ملف المديونية والتمويلات
1. القراءة النقدية والمؤسسية (غورمو عبدول لو)
-
الفصل بين الالتزام والتنفيذ: التأكيد على أن الالتزام المالي الصادر عن المانحين الدوليين لا يعني بالضرورة صرف الأموال أو إنجاز المشاريع ميدانياً.
-
تُظهر التفاصيل التي أوردتها تحليلاً دقيقاً وعميقاً لمشهد النقاش الاقتصادي والسياسي الحالي في موريتانيا، حيث يتجاوز هذا السجال الفكرة السطحية المتمثلة في “المناكفة السياسية” ليلامس قضايا مفصلية في الحوكمة المالية، والتحليل الاقتصادي الكلي، وإدارة المشاريع التنموية.
يمكن تلخيص أبعاد هذه الأطراف الثلاثة والقضايا الجوهرية المتداخلة على النحو التالي:
1. الإشكالية الأولى: منهجية التحليل الاقتصادي (بين الرقم المطلق والنسبة المئوية)
-
الموقف المعارض (النائب محمد بوي): اعتمد على الرقم المطلق والمقارنة الزمنية (60 سنة مقابل 7 سنوات) لإحداث صدمة رقمية لدى الشارع الموريتاني، محذراً من تسارع وتيرة الالتزامات المالية.
-
رد الأغلبية (النائب زين العابدين المنير): فكّك المقارنة منهجياً عبر أربعة محاور اقتصادية أساسية:
-
نسبة الدين إلى الناتج المحلي ($Debt-to-GDP$): وهي المعيار المعترف به دولياً، حيث أشار إلى انخفاض المؤشر من ~70% (2019) إلى ~40% (2026)، ما يعني تحسّن القدرة الاستيعابية للاقتصاد.
-
القيمة الزمنية للنقود والتضخم: استحضار أن قوة $1.3$ مليار دولار في الستينيات أو السبعينيات تتجاوز بمراحل القيمة الشرائية لنفس المبلغ اليوم.
-
الفصل بين الدين والمنح: التمييز بين القروض الواجبة السداد والمنح غير المستردة (التي تشكل جزءاً كبيراً من تمويلات المؤسسة الدولية للتنمية IDA).
-
تسوية صافي الدين: التذكير بإلغاء أو سداد ديون سابقة (مثل الملف الكويتي) مما يقلل من صافي الالتزامات.
-
2. الإشكالية الثانية: كفاءة الامتصاص وقدرة التسيير (جوهر طرح غورمو عبدول لو)
يمثل موقف الكاتب غورمو عبدول لو القراءة الأعمق لمكامن الخلل الحقيقية، حيث نقل النقاش من “حجم الدين” إلى “كفاءة الإنفاق والتنفيذ”:
-
ضعف قدرة الامتصاص (Absorptive Capacity): بقاء 805.6 ملايين دولار دون صرف (نحو نصف التمويلات المعلنة) يشير إلى اختناق إداري وفني يمنع تحويل القروض والمنح إلى مشاريع ملموسة (طرق، شبكات مياه، كهرباء).
-
معضلة الحاويات والمخازن: ضرب مثال المستلزمات الكهربائية لبرنامج نواكشوط المكدسة في الحاويات يوضح الفجوة بين التمويل المتاح والتنفيذ الميداني.
-
ثقافة التقييم المالي: التحذير من الاعتماد الساذج على “شهادات حُسن السلوك” الصادرة عن الصناديق الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد)، والتي غالباً ما تشيد بالحوكمة النظرية وتتجاهل الثغرات الهيكلية أو قضايا الفساد والتعثر (كما حدث في تجارب تاريخية سابقة).
3. الإشكالية الثالثة: الشفافية والرقابة (طرح حزب “موريتانيا إلى الأمام”)
يضع الحزب يده على نقطة التقاء جميع الأطراف: الشفافية والحوكمة الرشيدة.
-
المطالبة بربط المساءلة البرلمانية بنشر نسب الصرف الفعلي ($Disbursement\ Rates$) لكل مشروع على حدة.
-
نشر الشروط المصاحبة لدعم الميزانية والوصول إلى المستفيدين الحقيقيين ($Beneficial\ Ownership$) للشركات المنفذة للفقرات التعاقدية للحد من الاختلالات التي ترصدها المفتشية العامة للدولة.
الخلاصة
السجال المطروح لا يُختصر في مجرد مناكفة سياسية، بل يكشف عن أزمة حوكمة وإدارة تنموية:
-
العيب ليس في أصل الاستدانة إذا كانت بشروط ميسرة وتتجه إلى قطاعات إنتاجية وتنية التحتية، خاصة في ظل انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي.
-
الخلل الحقيقي يكمن في فجوة التنفيذ وبطء نسب الصرف، بالإضافة إلى مخاوف الفساد وضعف الشفافية في الصفقات العمومية.
-
السؤال الجوهري القائم: هل تملك الإدارة العمومية اليوم القدرة الفنية واللوجستية على تحويل الـ 800+ مليون دولار المتبقية في أرصدة البنك الدولي إلى خدمات ومشاريع تنموية ملموسة على أرض الواقع قبل أن تأكلها تكاليف التمهل والتعثر؟