طعن في قمرة القيادة وهبوط حاد.. ماذا جرى برحلة “فلاي دبي”؟

إنذار أمني خطير، وهبوط حاد، ثم انقطاع مفاجئ لإشارة التتبّع.. هكذا انقلبت رحلة اعتيادية لشركة “فلاي دبي” متجهة إلى تل أبيب إلى حدث عالمي استقطب أنظار عشرات الآلاف من متتبعي حركة الطيران. فالطائرة التي بثّت رمزا ملاحيا يدل على “تدخل غير مشروع” أطلق شرارة استنفار أمني وعسكري واسع، لتنهي مسارها المتخبط بهبوط اضطراري غير مجدول في مدينة تبوك بالمملكة العربية السعودية.
الحدث الذي تصدر قائمة الرحلات الأكثر متابعة عالميا لم يكن في النهاية عملية اختطاف مدبرة، بل أفادت تقارير إسرائيلية بأنه كان مسرحا لحدث صادم تمثل في شجار جسدي عنيف بين الطيار ومساعده داخل قمرة القيادة، وهي تفاصيل لم تؤكدها حتى الآن شركة الطيران.
ماذا جرى داخل قمرة القيادة؟
كشفت وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل حول ما جرى داخل قمرة قيادة الرحلة، مشيرة إلى وقوع عملية طعن ومحاولة لتحطيم الطائرة، في سيناريو وصفته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأنه كان قريبا من التسبب في كارثة كبرى.
ونقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي كبير تفاصيل عُرضت على المستويين السياسي والأمني، تفيد بأن أحد الطيارين أقدم على طعن الطيار الآخر، مما أدى إلى دخول الطائرة في هبوط حاد ومفاجئ. وأضافت القناة أن أفرادا من طاقم الطائرة نجحوا في السيطرة على المهاجم واستعادة التحكم بالطائرة، في حين أوضح المسؤول الإسرائيلي أن السيناريو الذي أثار قلق الأجهزة الأمنية كان محاولة لتنفيذ هجوم على غرار هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
من جانبها، أوردت صحيفة “معاريف” تفاصيل إضافية تحت عنوان “عراك بالسكاكين في قمرة القيادة”، مؤكدة أن الطائرة فقدت الارتفاع وهوت نحو 4 آلاف متر. ونقلت الصحيفة عن مصادر إسرائيلية تقديرها للموقف بالقول: “كنا على بعد خطوة من حدث مشابه لـ11 سبتمبر، وقد مُنعت هنا كارثة كبرى”.
وأضافت “معاريف”، استنادا إلى معلومات تلقتها إسرائيل، أن ركابا إسرائيليين تدخلوا وشاركوا طاقم الطائرة في السيطرة على الطيار المشتبه به وتحييده، مشيرة إلى أن التحقيقات تفحص حاليا احتمال محاولة الطيار السيطرة على الطائرة بهدف إسقاطها.
ولم تصدر “فلاي دبي” أي تأكيد لهذه الروايات، ولم تعلق السلطات الإماراتية أو السعودية عليها حتى وقت نشر هذا التقرير.
شهادات الركاب من داخل الطائرة
نشرت هيئة البث الإسرائيلية (كان) توثيقات وشهادات درامية من داخل الطائرة في الثواني التي تلت محاولة السيطرة عليها. وظهر أحد الركاب والدماء تغطي وجهه في مقطع مصور قائلاً: “لقد سيطرنا على المخرب، نحن بحاجة إلى المساعدة”.
وفي إفادة أخرى حول لحظات الرعب، نقلت القناة عن راكب قوله: “يوجد مصاب بجروح خطيرة، والمخرب مقيد الآن”. وأكدت هيئة البث أن جهاز الاستخبارات (الموساد) يدير الحدث بالتعاون مع جهاز الأمن العام (الشاباك) للتحقيق في ملابسات ما وصفته صراحة بـ”محاولة تنفيذ هجوم”.
انخفاض حاد
أظهرت بيانات ملاحية، تحققت منها وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة، أن الرحلة رقم (FZ1073) نُفذت بطائرة “بوينغ 737 ماكس 8” (تسجيل A6-FKF)، وأقلعت من مطار دبي الدولي عند الساعة 06:05 صباحاً بتوقيت مكة المكرمة (07:05 بتوقيت دبي) متجهة إلى مطار بن غوريون في تل أبيب. وجميع التوقيتات الواردة في هذا التقرير بتوقيت مكة المكرمة.

وقبل نحو 10 دقائق من إعلان الطوارئ، سجلت الطائرة هبوطاً حاداً ومفاجئاً وُصف في الأوساط الملاحية بـ”الجنوني”. وبحسب بيانات نشرتها منصة “فلايت رادار” المتخصصة في التتبع الملاحي، وقع هذا الهبوط في 29 ثانية فقط: فبين الساعة 08:22:07 و08:22:36 صباحاً، نزلت الطائرة من ارتفاع 30,875 قدماً إلى 16,750 قدماً، أي بفارق 14,125 قدماً دفعة واحدة.
وبحساب هذه القيم، يبلغ معدل الهبوط نحو 29 ألف قدم في الدقيقة، أي ما يقارب 535 كيلومتراً في الساعة نزولاً عمودياً. ولتوضيح مدى شذوذ هذا الرقم، أشارت المنصة إلى أن السرعة العمودية للطائرات خلال العمليات الجوية الطبيعية نادراً ما تتجاوز 4 آلاف قدم في الدقيقة، أي أن معدل هبوط الطائرة في تلك الثواني بلغ نحو سبعة أضعاف الحد المعتاد.
وكانت المنصة قد أفادت في وقت سابق بأن أنظمتها رصدت، قبل تفعيل الرحلة لرمز الطوارئ (7700)، تقلبات شديدة ومتطرفة في بيانات الارتفاع الصادرة عن الطائرة، حيث تراوحت السرعات العمودية المحسوبة بين 30 ألف قدم في الدقيقة نزولاً و10 آلاف قدم في الدقيقة صعوداً.
وعند الساعة 08:32 صباحاً، فعّلت الطائرة رمز الطوارئ العام (7700) أثناء تحليقها قرب الحدود السعودية الأردنية على ارتفاع يقارب 15 ألف قدم. وبعد دقائق معدودة، غيّرت الطائرة الرمز إلى (7500) الذي يشير ملاحياً إلى وقوع “تدخل غير مشروع” أو اختطاف، قبل أن تتراجع وتعيد تفعيل الرمز (7700).
وخلال هذه اللحظات، غادرت الطائرة الأجواء السعودية لتدخل المجال الأردني لفترة وجيزة، ثم عادت متجهةً جنوباً حيث هبطت بسلام في تبوك عند الساعة 09:58 صباحاً.
وفي أثناء ذلك انقطع استقبال إشارة تتبّع الطائرة لدى المنصة بعد خروجها من نطاق التغطية الأرضية، قبل أن تعود الإشارة عبر الأقمار الاصطناعية؛ وهو انقطاع في شبكة التتبّع المدنية لا في رادارات المراقبة الجوية التي ظلت الطائرة ضمن نطاقها طوال الرحلة.
استنفار في إسرائيل
أثارت الحادثة حالة من الاستنفار القصوى في إسرائيل، حيث كانت الطائرة تقل أكثر من 170 إسرائيليا (وأشارت مصادر أخرى إلى 180). وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن مقاتلات حربية إسرائيلية أُرسلت للتحليق تحسبا لأي طارئ، في حين عقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس مشاورات أمنية عاجلة. كما أجرى رئيس الأركان تقييما للوضع بمشاركة قادة القوات الجوية والمخابرات (الشاباك والموساد) والشرطة.
وبعد دقائق من التوتر والمخاوف من عملية اختطاف، وجهت جهات أمنية إسرائيلية رسائل طمأنة، مؤكدة أنه “لا توجد معلومات مؤكدة عن اختطاف”، وأن الطائرة هبطت بسلام في السعودية.
وأوضحت التقارير الإسرائيلية أن تفعيل رمز الطوارئ جاء نتيجة حدث عنيف داخل قمرة القيادة تمثل في شجار بين الطيار الرئيسي ومساعده، دون تفاصيل أكثر.
ولم تصدر شركة “فلاي دبي” تأكيدا رسميا لسبب الحادث حتى اللحظة، لكنها تعهدت بترتيب نقل الركاب الإسرائيليين وإعادتهم.
ذروة المتابعة العالمية
أثارت أنباء اختطاف الرحلة اهتماما واسعا وذعرا لدى الجمهور ووسائل الإعلام. ومع انقطاع إشارة الطائرة لفترة وجيزة وتوجهها نحو تبوك، اتجه المتابعون إلى تتبّع رحلة أخرى للشركة نفسها كانت في طريقها إلى تل أبيب، وتجاوز عدد متتبعي هذه الرحلة البديلة 15 ألف مستخدم في الوقت الفعلي، لتتصدر قائمة أكثر الرحلات الجوية متابعة على مستوى العالم عبر منصة “فلايت رادار ” في تلك اللحظات.
أكواد الطوارئ
في لغة الملاحة الجوية، تُعد رموز الاستجابة (Squawk Codes) وسيلة تواصل حيوية تُدخل عبر جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) للتبليغ الفوري عن الحالات الاستثنائية لأبراج المراقبة.
ويُستخدم الرمز 7700 للإبلاغ عن “حالة طوارئ عامة” (General Emergency)، سواء كانت ناتجة عن عطل فني أو حالة طبية طارئة، مما ينبه وحدات المراقبة الأرضية لمنح الطائرة أولوية مطلقة وتوجيهها لأقرب مسار آمن للهبوط السريع.

أما الرمز 7500، فهو رمز أمني شديد الحساسية يشير إلى “تدخل غير مشروع” (Unlawful Interference) أو اختطاف، ويُتيح للطيارين إرسال إنذار صامت للسلطات الأرضية بأن الطائرة تتعرض لتهديد أمني أو اعتداء داخل قمرة القيادة، مما يستدعي تدخلا أمنيا وعسكريا فوريا دون لفت انتباه المهاجمين.