تمويلات البنك الدولي وصندوق النقد.. بين أرقام المليارات و واقع التنمية / أحمد الدوه

لست خبيرا في الاقتصاد، ولا أدّعي امتلاك الأدوات الفنية للحكم على سياسات الاقتراض أو شروط التمويل أو مؤشرات المديونية.

لكن بصفتي مواطنا  ومن حق المواطن، بل من واجبه، أن يسأل حين يسمع عن مليارات الدولارات من القروض والتمويلات والمنح: أين ذهبت؟ وماذا أنجزت؟ وما الذي تغيّر في حياة الناس؟
فالقضية ليست في الرقم وحده، ولا في كون التمويل جاء من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، ولا في وصف كل قرض بأنه عبء، أو كل تمويل بأنه إنجاز.

القضية الأهم هي: ماذا أنتجت هذه الأموال على أرض الواقع؟

المليارات ليست هي التنمية

تلجأ الدول النامية، ومنها موريتانيا، إلى المؤسسات المالية الدولية لتمويل مشاريع البنية التحتية، والتعليم والصحة والمياه والطاقة والزراعة والحماية الاجتماعية والإصلاح الإداري، إضافة إلى دعم الاستقرار المالي ومواجهة الأزمات الاقتصادية.
وهذه التمويلات يمكن أن تكون أداة مهمة لتسريع التنمية عندما تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق وشبكات مياه وكهرباء ومشاريع إنتاجية وفرص عمل، وتترك وراءها اقتصاداً أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه.
لكن التمويل، مهما كان حجمه، لا يصبح تنمية بمجرد توقيع الاتفاقية، ولا يتحول إلى إنجاز بمجرد الإعلان عنه.
الإنجاز يبدأ عندما ينتقل المال من الوثائق والجداول إلى مشروع قائم، ومن مشروع قائم إلى خدمة مستدامة، ومن خدمة إلى تحسن ملموس في حياة المواطن.
وهنا تحديداً ينبغي أن يتغير السؤال العام في موريتانيا.
بدلاً من الاكتفاء بالسؤال:
كم اقترضت الدولة؟
علينا أن نضيف إليه:
كم تم صرفه فعلياً؟ وكم مشروعاً اكتمل؟ وما نسبة الإنجاز؟ وما كلفة كل مشروع؟ ومن استفاد منه؟ وهل حقق الأهداف التي اقترضت الأموال من أجلها؟

موريتانيا.. أرقام تستحق القراءة

وفق بيانات البنك الدولي، بلغ إجمالي مبالغ الالتزامات للمشروعات المرتبطة بموريتانيا نحو 3.265 مليار دولار، موزعة على 112 مشروعاً، وذلك حتى أغسطس 2026. وهذه الأرقام تخص التزامات البنك الدولي للمشروعات، وليست ببساطة رقماً يمكن اعتباره «ديناً خارجياً لموريتانيا»؛ فالتمويلات الدولية لها طبيعتها وأدواتها وشروطها المختلفة.
أما صندوق النقد الدولي فدوره مختلف إلى حد كبير؛ فهو لا يمول عادةً بناء الطرق والمستشفيات بالطريقة نفسها التي تمول بها مؤسسات التنمية مشاريعها، وإنما ترتبط برامجه بدعم الاستقرار المالي والنقدي، وتمويل احتياجات ميزان المدفوعات، والإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.

وفي يونيو 2026، وافق الصندوق على برنامج جديد لموريتانيا لمدة 42 شهراً بقيمة تقارب 95.8 مليون دولار ضمن تسهيلات الائتمان الممتد والتمويل الممدد، مع صرف فوري يقارب 105.6 مليون دولار وفق البيان الرسمي للصندوق، في إطار برامج تستهدف الاستقرار الاقتصادي والإصلاح المؤسسي والنمو الشامل.
كما تظهر بيانات الصندوق أن لموريتانيا التزامات سداد وفوائد ورسوم مرتبطة ببرامجها السابقة والحالية؛ وهو ما يذكرنا بأن التمويل الخارجي ليس أموالاً مجانية في جميع الحالات، وأن أي اقتراض اليوم قد يعني التزامات مالية على الموازنات المقبلة.

إذن أين المشكلة؟

ليست المشكلة في الاقتراض بحد ذاته.
الدولة التي تقترض لبناء طريق يختصر المسافات، أو شبكة مياه توفر مورداً دائماً للسكان، أو مشروع طاقة يخفض كلفة الإنتاج، أو منظومة تعليم وصحة ترفع إنتاجية المجتمع، يمكن أن تحقق من القرض قيمة أكبر من كلفته.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة لتمويل الإنفاق دون خلق أصول إنتاجية أو خدمات مستدامة، أو عندما تتضخم كلفة المشاريع، أو تتعثر، أو تتأخر، أو تنتهي دون أن تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل نحن أمام ديون تستثمر في المستقبل، أم التزامات تؤجل كلفتها إلى المستقبل؟
والفارق بين الاثنين لا تحدده الشعارات، وإنما تحدده الأرقام والنتائج.
من «نسبة الإنجاز» إلى «أثر الإنجاز»
كثيراً ما نسمع عن مشروع بلغت نسبة إنجازه 60 أو 80 أو 90 بالمائة.
لكن المواطن لا يعيش داخل جداول نسب الإنجاز.
هو يريد أن يعرف:
هل وصلت المياه إلى بيته؟
هل أصبحت الكهرباء أكثر استقراراً؟
هل أصبح الطريق صالحاً وآمناً؟
هل انخفضت كلفة النقل؟
هل تحسنت المدرسة والمستشفى؟
هل خلق المشروع فرص عمل؟
هل استفاد منه المنتج والمزارع والمنقب والحرفي والتاجر؟
وهل يستطيع المواطن بعد خمس أو عشر سنوات أن يقول إن ذلك المشروع غيّر حياته فعلاً؟
هذه هي لغة التنمية الحقيقية.
البنك الدولي وصندوق النقد ليسا بديلاً عن الدولة
مهما بلغت قيمة التمويلات الخارجية، لا يمكن لأي مؤسسة دولية أن تحل محل الدولة في تحديد أولوياتها الوطنية.
فالمؤسسات الدولية تستطيع التمويل والمشورة والمساعدة الفنية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن حسن التنفيذ، أو جودة الإدارة، أو محاربة الهدر، أو حماية المال العام.

وهنا تقع المسؤولية الأساسية على المؤسسات الوطنية.
فإذا كانت الإدارة ضعيفة، والرقابة محدودة، والشفافية ناقصة، فقد يتحول التمويل الذي كان يفترض أن يصنع أصلاً وطنياً إلى مشروع متعثر أو تكلفة إضافية أو فرصة ضائعة.
ولهذا ركز صندوق النقد في برنامجه الجديد لموريتانيا على قضايا من بينها الحوكمة، وإصلاح المؤسسات العمومية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز الشفافية والمساءلة، إلى جانب الاستقرار الاقتصادي.
والسؤال الأكبر: ماذا سنترك للأجيال؟
هذه ربما أهم زاوية في قضية التمويل الخارجي.
فالجيل الحالي قد يستفيد من مشروع ممول بقرض، لكن الجيل المقبل قد يكون هو الذي يسدد أصل الدين وفوائده.
لذلك ينبغي أن تكون القاعدة بسيطة:
إذا اقترضنا باسم المستقبل، فيجب أن ننفق المال بطريقة تخدم المستقبل.

لا ينبغي أن نترك للأجيال القادمة مجرد أرقام في دفاتر الديون، بل يجب أن نترك لها طرقاً، ومياه، وطاقة، ومدارس، ومستشفيات، ومؤسسات قوية، واقتصاداً منتجاً، وفرصاً للعمل.

فالدين يصبح أكثر قابلية للتبرير عندما يساهم في خلق قدرة على السداد، أما إذا استُهلك دون أن يترك أثراً اقتصادياً أو اجتماعياً مستداماً، فإن الأجيال المقبلة قد ترث الكلفة دون أن ترث المنفعة.
لذلك نحتاج إلى «كشف حساب تنموي»
ربما آن الأوان لأن تتحول كل مشاريع التمويل الخارجي الكبرى إلى كشف حساب سنوي أمام الرأي العام.
نريد أن نعرف، ببساطة:
كم تبلغ قيمة التمويل؟
هل هو قرض أم منحة أم تمويل بشروط ميسرة؟
كم تم سحبه فعلياً؟
كم أنفق؟
ما المشروع الذي مول؟
ما نسبة إنجازه؟
ما كلفته النهائية؟
هل تأخر عن موعده؟
من هي الجهة المنفذة؟
ما عدد المستفيدين؟
وما الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق؟
وهل يحتاج المشروع إلى تمويل إضافي بعد انتهاء التمويل الأول؟
هذه ليست أسئلة خبراء الاقتصاد وحدهم.
إنها أسئلة دافعي الضرائب والمواطنين، لأن المال العام، سواء جاء من الإيرادات الوطنية أو من التمويل الخارجي الذي ستتحمل الدولة التزاماته، يظل شأناً عاماً.

ليس المطلوب أن نخيف الناس من كل قرض، كما ليس المطلوب أن نصفق لكل اتفاقية تمويل.
الاقتراض قد يكون ضرورة في دولة نامية تواجه فجوة كبيرة في البنية التحتية والخدمات، وقد يكون وسيلة لتسريع النمو.
لكن القرض الناجح هو الذي يتحول إلى قيمة مضافة.
والتمويل الجيد هو الذي يترك وراءه شيئاً يستمر بعد انتهاء المشروع.
أما التمويل الذي يستهلك اليوم دون أن يزيد قدرة الدولة على الإنتاج غداً، فإنه يضع سؤالاً صعباً أمام المستقبل.
ومن هنا، فإن النقاش الأكثر نضجاً ليس:
هل اقترضنا كثيراً أم قليلاً؟
وإنما:
ماذا فعلنا بما اقترضناه؟
ثم:
كم أنجزنا فعلاً على الأرض؟
وأخيراً:
هل ستكون الأجيال المقبلة مدينة لنا لأننا بنينا لها المستقبل، أم مدينةً بسبب ما اقترضناه باسمها؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يخرج من أرقام المليارات إلى واقع الناس.
فالمواطن لا يأكل أرقاماً، ولا يسكن في اتفاقيات تمويل، ولا يتداوى ببيانات المؤسسات الدولية.
المواطن يريد أن يرى أثر المال العام في حياته، وأن يرى أن كل مليار اقترضته الدولة ترك وراءه شيئاً يستحق أن تدفع الأجيال المقبلة ثمنه.

فريق جسور

موقع يعنى بنشر الأخبار الوطنية والدولية مع توخي الدقة ومراعاة المهنية، كما يضع ضمن أولوياته تسليط الضوء على قضايا الجاليات الموريتانية في الخارج، وخاصة في غرب إفريقيا، والتحديات التي تواجهها، وإيصال صوتها وربطها بالوطن الأم، ليشكل بذالك ” همزة وصل بين الوطن وأبنائه”.