يوم دفعت الولايات المتحدة الجزية للجزائر وليبيا

تمثل حقبة الحروب الجزائرية الليبية مع الأمريكيين في الفترة ما بين عامي 1786 و1815 فصلا حاسما في التاريخ الأمريكي الحديث؛ فقد شهدت هذه الفترة صراعا مكثفا بين الجمهورية الأمريكية الناشئة والولايات “الإيالات” العثمانية في الجزائر وطرابلس، إذ فرضت هذه الدول كلمتها على الأمريكيين لفترة طويلة من الزمن.
كانت الأساطيل العثمانية وأساطيل ولايات شمال أفريقيا التابعة لها وخاصة ليبيا وتونس والجزائر تلعب دورا محوريا في السيطرة على التجارة البحرية، حيث كانت تقوم بحماية السفن التجارية التي تعبر البحر المتوسط مقابل رسوم محددة مسبقا تدفعها الدول العابرة.
كان هذا النظام، الذي اشتهر بالحماية مقابل الفدية أو الجزية نتيجة طبيعية للسيطرة العثمانية على مناطق غرب البحر المتوسط، فقد كانت الإمبراطورية العثمانية وولاياتها في شمال أفريقيا تسيطر على طرق التجارة البحرية الحيوية، وتفرض رسوما على جميع السفن التي تعبر البحار الواقعة تحت السيطرة العثمانية، وكانت هذه الممارسة بمثابة ضريبة إقليمية شاملة تُفرض على جميع الدول التي تملك أساطيل تجارية في البحر المتوسط.
“امتد نظام المدفوعات ليشمل معظم القوى البحرية الأوروبية، ومنها بريطانيا، والدنمارك، وهولندا، وإسبانيا، والسويد، والبرتغال، وصقلية، وسردينيا”
وقد أظهرت السجلات التاريخية والوثائق العثمانية أن نطاق هذه الجزية كان واسعا، فقد امتد نظام المدفوعات والهدايا ليشمل معظم القوى البحرية الأوروبية، ومنها بريطانيا، والدنمارك، وهولندا، وإسبانيا، والسويد، والبرتغال، وصقلية، وسردينيا، كما انضمت إليه الولايات المتحدة بعد معاهدة 1795، حيث التزمت بموجب المعاهدة التي وقعتها مع ولاية الجزائر بدفع مبالغ مالية وتقديم سفن وتجهيزات بحرية وهدايا مقابل حماية تجارتها في البحر المتوسط.
بدأت متوالية الأحداث في أعقاب استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في عام 1776، حيث دخلت أمريكا حقبة جديدة بدأت خلالها السفن الأمريكية برفع أعلامها الخاصة في البحار للمرة الأولى عام 1783، بعد أن كانت سفنها تبحر سابقا تحت الأعلام البريطانية أو الفرنسية أو الإسبانية قبل الاستقلال. وكان ذلك يعني أن على أمريكا أن توقّع معاهدة صداقة خاصة لضمان العبور. ولكن عوضا عن ذلك، سعت الولايات المتحدة لتشكيل تحالف مع أوروبا لمحاربة الجزائر وفرض العبور بالقوة العسكرية.

دفع ذلك الجزائر إلى إعلان الحرب على أمريكا واحتجاز سفينتي “ماريا” و”دوفين” عام 1785، وحين حاول الأمريكيون التفاوض لإطلاق سراح البحارة المحتجزين، اشترطت الجزائر دفع 60 ألف دولار مقابل تحرير 21 أسيرا مما أدى إلى فشل المقايضة. وعلى إثر ذلك، استمر البحارة الجزائريون في استهداف السفن الأمريكية، وما لبثوا أن استولوا على 11 سفينة أخرى تخص الولايات المتحدة الأمريكية وساقوها إلى السواحل الجزائرية.
كانت هذه الهجمات المتكررة إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة الناشئة لم تكن محصنة من النظام الاقتصادي السائد في المتوسط، وأنها يجب أن تخضع لعملية الدفع للمرور مثل باقي الدول. ومن هنا أدركت القيادة الأمريكية أن التفاوض الدبلوماسي هو الخيار الأكثر منطقية للتعامل مع الأزمة، واختارت الانضمام إلى النظام المالي السائد بدلا من مواجهته، وبالفعل وقعت إدارة الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن عبر مفوضها جوزيف دونالدسون معاهدة صلح مع الأمير حسن باشا، وكانت هذه المعاهدة تمثل رضوخا أمريكيا للنظام القائم، حيث تضمنت شروطا مالية لافتة مثل تعهد أمريكا ببناء 5 سفن للجزائر، ومدفوعات سنوية للعبور مقابل الحماية.
“وقعت إدارة جورج واشنطن معاهدة صلح مع الأمير حسن باشا، نصت على الدفع مقابل المرور والحماية”
غير أن النتيجة لم تكن كما أملت الحكومة الأمريكية، فعلى الرغم من امتناع الدولة العثمانية عن مهاجمة سفن الولايات المتحدة طيلة عام كامل بعد توقيع المعاهدة، إلا أن تلكؤ أمريكا في الوفاء بالتزاماتها تسبب في انفجار أزمة العبور مجددا أكثر من مرة.

ليبيا تفرض الجزية على الأمريكيين
ولم تكن مشكلة الولايات المتحدة في البحر المتوسط مع ولاية الجزائر فقط، بل واجهت المصير نفسه مع طرابلس الغرب، فقد كان والي طرابلس يوسف باشا القرمانلي يتمتع بسلطة مركزية قوية وطموح عسكري واضح على عكس معظم حكام الولايات العثمانية. وكانت لديه رؤية طموحة لتعزيز ثروة طرابلس من خلال توسيع نطاق الجزية المفروضة على السفن التجارية. وكانت واشنطن قد وقعت مع طرابلس معاهدة مماثلة لتلك التي وقعتها مع الجزائر عام 1796 من أجل تأمين مرور سفنها.
ولكن حين شعر الباشا أن الأمريكيين يماطلون في دفع مقابل المرور، اتخذ في سنة 1801 خطوة حازمة طلب فيها زيادة الجزية المدفوعة إلى 225 ألف دولار أمريكي، وكانت هذه زيادة كبيرة جدا تعكس الطموحات المالية الجديدة للباشا، غير أن الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون المنتخب حديثا وقتئذ بصفته ثالث رئيس للولايات المتحدة، اتخذ موقفا مغايرا لسلفيه، متجاهلا مطالب والي طرابلس كليا لمدة عام كامل.
لم تقف الأمور عند هذا الحد. ففي 6 فبراير/شباط عام 1802 اتخذ الكونغرس الأمريكي قرارا لافتا بشأن النزاع، حيث أقر قانونا يهدف إلى تجنيب التجارة الأمريكية وبحارة الولايات المتحدة خطر السفن الهجومية الطرابلسية، وكان هذا القانون تصريحا واضحا بأن أمريكا ستعتمد على القوة العسكرية بدلا من دفع الرسوم والجزية المفروضة.
إزاء هذا القرار الأمريكي، شعر يوسف باشا أن كرامته استُهينَ بها، ومن ثم وفي حركة دراماتيكية جريئة، قرر الباشا أن يُعلن حربه على الولايات المتحدة في 14 مايو/أيار 1801، إذ أمر جنوده بتحطيم سارية العلم الأمريكي القائمة أمام القنصلية الأمريكية في طرابلس، وكان تحطيم العلم بمثابة إعلان حرب رسمي على الولايات المتحدة.
“أمر والي طرابلس جنوده بتحطيم سارية العلم الأمريكي أمام القنصلية الأمريكية في طرابلس، وكان ذلك بمثابة إعلان حرب رسمي على الولايات المتحدة”
بعد هذا الحادث مباشرة، انطلقت السفن والطرادات الطرابلسية تجوب البحر المتوسط في بحث دؤوب عن السفن الأمريكية، وكانت المهمة الأساسية للأسطول الطرابلسي هي الاستيلاء على الغنائم من السفن الأمريكية والسيطرة عليها، وإجبار حكومة واشنطن على دفع جزية سنوية مجزية.
وفي محاولة أخيرة للتفاوض قام القنصل الأمريكي في طرابلس بمقابلة يوسف باشا شخصيا، حيث عرض القنصل احتجاج دولته الرسمي على الهجوم على المصالح الأمريكية، وطلب إعادة البضائع والسفن التي تم الاستيلاء عليها، لكن الباشا رفض الحوار، وأوضح له أن على أمريكا أن تدفع الجزية المستحقة للعبور في المتوسط.
ولم يتوقف يوسف باشا عند هذا الحد، بل أرسل خطابا رسميا يأمر القنصل الأمريكي بمغادرة البلاد فورا، ولم يجد القنصل أي خيار سوى تمزيق معاهدة السلام والصداقة التي وقعها الطرفان عام 1796، وخلال عشرة أيام غادر طرابلس صحبة أسرته عبر البر متجها نحو تونس.

قررت الحكومة الأمريكية أن تواجه الإجراءات الليبية بإعلان الحرب، ففي يوليو/تموز سنة 1801 أرسل الأمريكيون أسطولا حربيا متقدما مكونا من فرقاطتين قويتين معروفتين باسمي “بريزيدنت” و”فيلادلفيا”، كل منهما مزودة بأربعة وأربعين مدفعا حديثا، حيث رافقهما سفينتان حربيتان أصغر زُوّدت كل منهما بثلاثين مدفعا، وسفن حربية إضافية أضيفت لاحقا لتعزيز القوة البحرية، وكان الرئيس جيفرسون يأمل بإرسال أفضل ما لديه من قوات بحرية كي تعزز هذه الحملة من هيبة الولايات المتحدة في منطقة البحر المتوسط الإستراتيجية.
وبالفعل صدر الأمر مباشرة إلى الأدميرال ريتشارد ديل، وكان بحارا وقائدا متمرسا، بقيادة هذه الحملة العسكرية والتوجه إلى البحر المتوسط لهزيمة الولايات العثمانية في شمال غرب أفريقيا وإيجاد موطئ قدم قوي للإمبراطورية الأمريكية الجديدة في المنطقة، وكان انتقاء الأدميرال ديل مدروسا بعناية فائقة، لأنه كان أحد أبطال حرب الاستقلال الأمريكية وكان يتمتع بخبرة بحرية واسعة.
“اختير الأدميرال ريتشارد ديل لقيادة الحملة الأمريكية في المتوسط، لخبرته الواسعة، ولكونه أحد أبطال حرب الاستقلال الأمريكية”
وفقا للمؤرخ كولا فولايان في كتابه “ليبيا أثناء حكم يوسف باشا القرمانلي” فقد اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وطرابلس خلال الفترة بين عامي 1801 و1805، وكانت في جوهرها مواجهة بحرية، رغم أنها انتهت بعمليات برية محدودة، وقد فرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا على طرابلس بين عامي 1801 و1802، إلا أن هذا الحصار لم يحقق أهدافه بسبب نجاح البحرية الطرابلسية بقيادة أمير البحر الرايس مراد في التصدي له.
وفي سنة 1802 تمكنت ثلاث سفن طرابلسية من الاستيلاء على السفينة الأمريكية فرانكلين أثناء توجهها من جزر الهند الغربية إلى مرسيليا، وأُسر قائدها أندرو موريس مع طاقم مكوَّن من 8 بحارة، ثم نُقلوا إلى طرابلس حيث استُقبلوا باحتفال كبير في شوارع المدينة. وأسفر هذا الإنجاز عن إلزام الولايات المتحدة بدفع 5 آلاف دولار مقابل إطلاق سراح موريس وأربعة أسرى أمريكيين آخرين.
ظل الصراع متقطعا دون الذروة حتى عام 1803 عندما اتخذ الرئيس الأمريكي قرارا تصعيديا، حيث أصدر أوامره المباشرة إلى قائد الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط بفرض حصار بحري شامل على ميناء درنة، وقصف مدينة درنة الساحلية بالمدافع الثقيلة. في غضون ذلك، وتحديدا في 31 أكتوبر/تشرين الأول من سنة 1803 وقع حدث عسكري مصيري حين تمكنت البحرية الليبية في مدينة طرابلس من أسر الفرقاطة الأمريكية الكبيرة “فيلادلفيا” وعلى متنها 308 من البحارة الأمريكيين وقعوا كلهم في الأسر بمن فيهم قائد السفينة الكابتن بينبريدج، في ضربة موجعة لقوة أمريكا البحرية ولمعنوياتها على السواء.
“كان أسر الفرقاطة فيلادلفيا ضربة موجعة لقوة أمريكا البحرية ولمعنوياتها على السواء”
وعندما أدرك الأمريكيون عجزهم عن استرجاع هذه السفينة الثمينة اتخذوا قرارا عسكريا صعبا، حيث أرسلوا في 16 فبراير/شباط 1804 مجموعة من الجنود المتخصصين إلى السفينة المأسورة وقاموا بنسفها بالديناميت وتدميرها بالكامل حتى لا تصبح غنيمة حربية قيمة في أيدي الطرابلسيين.

احتلال درنة واستمرار دفع الجزية
وقد شكَّل حادث السفينة فيلادلفيا ونسفها حافزا قويا جدا للولايات المتحدة للاهتمام الجاد ببناء بحرية عسكرية قوية ومتطورة، حيث تبنت البحرية الأمريكية نشيدا عسكريا رسميا لها، وأصبح هذا النشيد يردده جنود مشاة البحرية صباح كل يوم في التدريبات، حيث يقول مطلع النشيد الشهير: “من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر”. ولا يزال هذا النشيد يُردد حتى عصرنا الحالي في تخليد رمزي لما حدث في ليبيا.
وبالتوازي مع العمليات العسكرية، كانت الحكومة الأمريكية تعمل على خطة دبلوماسية ماكرة، حيث استخدمت قنصلها في تونس وليام إيتون كوسيط لتنفيذ خطة لتغيير نظام الحكم في طرابلس من الداخل. وكانت الخطة تقوم على استمالة أحمد باشا القرمانلي شقيق حاكم طرابلس، الذي كان يعيش في منفى اختياري في مصر ويعتبر نفسه أحق بالعرش من أخيه الأصغر. أقنع الأمريكيون أحمد القرمانلي أنهم قادرون على تتويجه على عرش طرابلس بعد التخلص من أخيه يوسف، وتحت وقع الضغط والابتزاز والطمع قَبِل أحمد باشا العرض الأمريكي.
شملت الخطة الأمريكية تخصيص قوة عسكرية من المارينز والمرتزقة الأجانب وبعض الموالين لأحمد القرمنلي بقيادة إيتون وبريسلي أوبانون، حيث بدأت القوات بهجوم عسكري منسق على شرق ليبيا وقامت بغزو مدينة درنة في الشرق، وكانت درنة يومئذ مدينة صغيرة على الساحل المتوسطي، تبعد عن طرابلس العاصمة أكثر من ألف كيلومتر.
ورغم ذلك، قاومت القوات العثمانية والطرابلسية الغزو الأمريكي بشراسة، وأرسل الباشا يوسف قواته إلى درنة للدفاع عنها، غير أن القوات الأمريكية والمرتزقة تحت قيادة إيتون فرضت سيطرتها على المدينة، وسقطت درنة في أيدي القوات الغازية، ورفع الأمريكيون علمهم على قلعة درنة، واعتُبرت درنة في التاريخ الأمريكي أول قطعة أرض أجنبية تحتلها الولايات المتحدة في تاريخها كله.
“تعتبر درنة أول قطعة أرض أجنبية تحتلها الولايات المتحدة في تاريخها”
ورغم ذلك الانتصار، فرضت القوات العثمانية والطرابلسية حصارا محكما على القوة الأمريكية الموجودة في المدينة، ولما وجدت الولايات المتحدة أن الموقف العسكري أصبح غير محتمل وأن التضحيات البشرية والمالية أصبحت فادحة جدا، قررت الحكومة الأمريكية الاستسلام المشروط والتفاوض على تسوية سلام، وتم التوصل إلى اتفاق نهائي بالفعل في 10 يونيو/حزيران 1805، فيما عرف تاريخيا بـ”اتفاقية طرابلس”.
كانت شروط المعاهدة قاسية جدا على الولايات المتحدة؛ إذ طلب يوسف باشا من الحكومة الأمريكية تقديم غرامات مالية ضخمة قُدرت بـ200 ألف دولار بالإضافة إلى فدية مستقلة للأسرى الأمريكيين وإطلاق سراح الأسرى الليبيين دون شروط أو قيود، وبعد مفاوضات مضنية تم تبادل الأسرى ودفعت أمريكا مبلغا إضافيا قدره 60 ألف دولار، فضلا عن الانسحاب المباشر من درنة، غير أن المعاهدة منحت الولايات المتحدة امتيازا بعدم دفع أي جزية أو رسوم لطرابلس مستقبلا.

انتهاء عصر الجزية واستشهاد ابن حميدو
ورغم توقف المدفوعات الأمريكية إلى طرابلس، استمرت الولايات المتحدة في دفع رسوم العبور بموجب اتفاقها مع الجزائر، التي كانت تتمتع بنفوذ بحري قوي في تلك المرحلة بقيادة الرايس محمد بن علي الشهير بالرايس حميدو، الذي أجبر معظم دول أوروبا على احترام الجزائر وقوتها البحرية، ودفع الجزية المتفق عليها سنويا.
وقد تواصلت هذه الدفعات حتى عام 1812 حيث قام القنصل الأمريكي الرسمي في الدولة العثمانية بسداد 27 ألف دولار أمريكي، وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي تسدد فيها أمريكا جزية المرور. فقد أدى اندلاع الحرب الأمريكية البريطانية (1812–1814) إلى اضطراب الاتصالات بين الجانبين، كما توقفت الولايات المتحدة عن الوفاء ببعض الالتزامات التي نصت عليها المعاهدة، ما دفع البحرية الجزائرية لاعتراض السفن الأمريكية باعتبار أن الحماية البحرية مرتبطة باستمرار تنفيذ الاتفاق.
وأمام هذه التطورات، وفي 3 مارس/آذار 1815 فوّض الكونغرس الأمريكي الرئيس جيمس ماديسون باستخدام القوة العسكرية ضد الجزائر، وعلى إثر ذلك أبحر الأسطول في 20 مايو/أيار 1815 بقيادة العميد البحري ستيفن ديكاتور على رأس 10 سفن حربية في مهمة استهدفت القضاء على القوة البحرية الجزائرية وفرض شروط أمريكية جديدة في البحر المتوسط. وعقب عبور مضيق جبل طارق اتجه الأسطول نحو الساحل الإسباني، حيث كان الرايس حميدو يقود الفرقاطة “المشهودة” في مهمة بحرية، دون أن يكون على علم بوصول الحملة الأمريكية.
“في منطقة رأس غاتا دارت المواجهة بين الأسطول الأمريكي والرايس حميدو في فرقاطته المشهودة”
وسرعان ما تحولت المطاردة إلى مواجهة مباشرة في منطقة رأس غاتا (Cabo de Gata) يوم 17 يونيو/حزيران 1815، بعدما كشف الأمريكيون عن هويتهم ورفعوا أعلامهم، ودارت معركة غير متكافئة بين أربع سفن أمريكية والفرقاطة الجزائرية التي واصل الرايس حميدو قيادتها رغم التفوق العددي والتسليحي لخصمه.
ووفقا للوثيقة التي كتبها محمد خسرو باشا في عرضه لتفاصيل هذه المعركة إلى الباب العالي في إسطنبول، ففي خلال الاشتباك أصيب الرايس حميدو إصابة قاتلة بقذيفة أصابت موقع قيادته، فأدرك اقتراب استشهاده وأوصى نائبه بإلقاء جثمانه في البحر حتى لا يقع في أيدي الأمريكيين فنُفذت وصيته بعد وفاته. وتشير بعض المصادر الجزائرية إلى أن الداي عمر باشا والي الجزائر ندم لاحقا على السماح بخروج حميدو إلى هذه المهمة.
وكما ترصد الباحثة رقية شارف في دراستها “الرايس حميدو رمز من رموز البحرية الجزائرية” فإنه على الرغم من استمرار المقاومة بعد استشهاد الرايس حميدو، تمكن الأمريكيون من الاستيلاء على الفرقاطة الجزائرية الأكبر وأسر أكثر من 406 من طاقمها فضلا عن استشهاد 30 شخصا. وقد نقل الأمريكيون السفينة إلى ميناء قرطاجنة الإسباني، قبل التوجه إلى مدينة الجزائر لفرض شروط الصلح، وتحت وطأة الخسائر العسكرية وافق الداي عمر باشا على توقيع معاهدة 30 يونيو/حزيران 1815، التي أنهت نظام الجزية السنوية التي دفعتها الولايات المتحدة للجزائر منذ معاهدة 1795.
وقد مثل استشهاد الرايس حميدو نقطة تحول في تاريخ البحرية الجزائرية إذ خسرت قائدها الأبرز، كما فتحت هزيمة 1815 الباب أمام الحملات الأوروبية اللاحقة، وفي مقدمتها حملة اللورد إكسموث سنة 1816 وحملة هاري نيل سنة 1824 على الجزائر، وهي تطورات تعكس أن الصراع مع الجزائر تجاوز أبعاده التجارية ليغدو جزءا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في البحر المتوسط.
وهكذا يخبرنا التاريخ أن الولايات المتحدة الأمريكية ظلت قرابة ربع قرن تدفع الجزية لكل من الجزائر وليبيا حتى تتمكن سفنها من عبور البحر المتوسط في أمن وسلام.