ترمب يتخلى عن قيادة العالم.. فمن يملأ الفراغ؟

يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن سلطته المطلقة لا تحدّها أي قيود، مستندا إلى قناعة راسخة بأنه لا يحتاج إلى القانون الدولي أو المعاهدات أو الاتفاقيات.
ويبرز هذا الموقف بجلاء في إجابته الصادمة عن سؤال مباشر عن مدى وجود حدود لسلطته على الساحة الدولية، حيث اكتفى بقوله إن “ثمة شيئا أخلاقيا واحدا هو عقلي، أنا وحدي الذي يستطيع إيقافي”.
وتكشف هذه العبارة -وفق فيديوغراف بثته منصات الجزيرة الرقمية- عن نظرة جوهرية للعالم تقوم على القوة وليس القانون، وهو ما يشكّل تحديا غير مسبوق للنظام الدولي الذي تأسس بعد عام 1945.
ويشير تحليل السياسة الأمريكية إلى أن واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية لم تسيطر على العالم بالقوة فحسب، بل بنت نظاما من المؤسسات والقوانين والمعاهدات التي تجعل هيمنتها شرعية ومقبولة.
وفي هذا السياق، تأسست هيئة الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في العام نفسه، ثم منظمة الصحة العالمية بعد مرور 3 سنوات، ومن أجل السيطرة على أوروبا أنشأت أمريكا حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 كمظلة حماية وردع.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، عززت واشنطن هيمنتها بإنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، كما رعت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن المناخ.
انسحاب ووقف تمويل المنظمات
وقرر ترمب -في ولايته الأولى- الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ثم الخروج من اتفاقية باريس للمناخ، قبل أن يعيد الرئيس السابق جو بايدن أمريكا إلى كل المؤسسات التي تركتها تحت حكم سلفه، لكن ترمب قرر -في ولايته الثانية- ألا يتيح لأحد الفرصة مجددا، فأصدر مذكرة تقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 31 كيانا تابعا للأمم المتحدة دفعة واحدة.
وأتبع ذلك بقرارات الانسحاب من عدد من المؤسسات الدولية أو وقف التمويل الأمريكي لها، من بينها منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان واليونسكو، وهي منظمات وصفها وزير الخارجية ماركو روبيو بأنها “معادية لأمريكا وعديمة الفائدة أو مبذِّرة”.
وفي المقابل، تعيد الصين تموضعها لملء الفراغ الذي خلّفته أمريكا، فتضخ مليارات الدولارات لضمان استمرار بعض البرامج، إلى جانب دفع دبلوماسييها لتولي مناصب عليا ورئاسة وكالات متخصصة تابعة للأمم المتحدة.
وتمنحها هذه الإستراتيجية -كما يوضح الفيديوغراف- القدرة على صياغة أجندات المنظمات، وتحديد أولوياتها بما يتماشى مع مصالحها الإستراتيجية. وهكذا، يبدو أن ترمب الذي أراد إضعاف المنظمات الدولية قد فتح الباب أمام نفوذ صيني متزايد في هذه المؤسسات.
ومن جانب آخر، تقف أوروبا والعالم مراقبين لصورة جديدة للولايات المتحدة يؤطرها ترمب، تظهر فيها واشنطن شريكا غير موثوق ينشر “قانون الغابة” والأنشطة الأحادية.
وجعلت هذه الصورة الجديدة العديد من دول العالم تعيد حسابات اتفاقياتها مع أمريكا، ليس خوفا من ترمب كما يطمح هو لذلك، وإنما تساؤلا عما إن كانت أمريكا شريكا يمكن الوثوق بالتزاماته.
وتستند هذه الدول -في عدم ثقتها بواشنطن- إلى العديد من الأمثلة، فالاتفاقية التي وقّعها الرئيس الأسبق باراك أوباما ألغاها ترمب، ثم أعادها بايدن، فيعود ترمب لتغييرها مجددا.
هذا المشهد يجعل الالتزامات الأمريكية الدولية تبدو -كما جاء في الفيديو- وكأنها تعيش بقدر فترة رئاسة الرئيس الذي وقّعها لا بقدر استمرارية الدولة التي تمثلها، وبالتالي يصبح أي التزام أمريكي دولي قابلا للإلغاء بتغيير الرئيس، وهو ثمن قد تدفعه واشنطن لعقود.