أمريكا المعترض الوحيد.. لماذا تغير الأمم المتحدة خريطة العالم؟

في الرابع من سبتمبر/أيلول 2026، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كاسحة لصالح قرار يدعو إلى التخلي تدريجيا عن إسقاط “ميركاتور”، الخريطة التي هيمنت على تصورنا للعالم لأكثر من أربعة قرون، والتوجه إلى خرائط أكثر دقة في التعبير عن المساحات؛ إذ أيد القرار 164 بلدا، وامتنعت 6 دول، بينما وقفت الولايات المتحدة وحيدة في خانة الرفض، معتبرة أن القرار غير ضروري.

لم يكن ذلك “فيتو” بالمعنى القانوني، إذ لا تملك أي دولة حق النقض في الجمعية العامة، لكنه منح المشهد رمزية لافتة، فهناك عالم يكاد يتفق بأكمله على إعادة رسم صورته أو تصحيحها للدقة، وقوة عظمى واحدة تقول “لا “، لكن ألم يكن ذلك هو الحال منذ سنوات طويلة؟ تأمل القضية الفلسطينية مثلا وكل التطورات بشأنها خلال السنوات الماضية.

في أفريقيا، بدا التصويت أقرب إلى انتصار رمزي طال انتظاره، إذ لم تنظر الدول الأفريقية إلى القضية باعتبارها خلافا تقنيا بين رسامي الخرائط فحسب، فقد قادت توغو، بدعم من الاتحاد الأفريقي، حملة لدفع القرار باعتباره محاولة لاستعادة الحجم الحقيقي لأفريقيا في المخيلة العالمية، بعد قرون ظهرت خلالها القارة على جدران المدارس وشاشات العالم أصغر بكثير مما هي عليه بالفعل.

“بالنسبة إلى أنصار الحملة، كانت السعادة بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها”

بالنسبة إلى أنصار الحملة، كانت السعادة بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها، للمرة الأولى لا تكبر أفريقيا على الخريطة، بل تتوقف الخريطة فقط عن تصغيرها. لكن لفهم مدى عمق الأمر، نحتاج أن نتوقف قليلا، لكي نفهم سر السعادة والإصرار الأفريقي أمام “عدم الاكتراث” الأمريكي، هذا التوقف سيعيدنا قليلا إلى حصة الجغرافيا التقليدية التي تدرس في المدارس.

Mercator projection of the world between 85°S and 85°N. Strebe - Own work The world on Mercator projection between 85°3'4"S and 85°3'4"N, such that image is square. 15° graticule. Imagery is a derivative of NASA’s Blue Marble summer month composite with oceans lightened to enhance legibility and contrast. Image created with the Geocart map projection software. CC BY-SA 3.0 File:Mercator projection Square.JPG Created: 16 December 2011 Uploaded: 17 December 2011
إسقاط ميركاتور (ويكيميديا)

الخرائط الكاذبة

دعنا نبدأ من شكل الأرض، فهي -إلى حد ما- كرة، كتلك الكرة الأرضية التي تراها في محلات الهدايا، لكن الأخيرة أكثر انتظاما بالطبع. هذا النموذج الكروي في الخرائط مثالي في الحقيقة لكنه لا يستطيع أن يخدمنا طوال الوقت، في أثناء السفر بالسفن مثلا، أو في أثناء دراسة الجغرافيا، حيث سنود أن تكون هناك خريطة ورقية مرسومة أمامنا يمكن لنا قياس المسافات عليها بالمسطرة، أو ربما نريد كتابة توضيحات بجوارها في الكتب، أو نقل تلك الخرائط من بلد إلى بلد من أجل دراستها، بالطبع لن تسافر من مكان إلى مكان بكرة خشبية ضخمة.

إعلان

هنا سنطلب من كارل فريدرك جاوس، الرياضي الألماني الأشهر، أن يحل لنا تلك المسألة: كيف يمكننا أن نحول خريطة كروية ثلاثية الأبعاد إلى صورة مسطحة ثنائية الأبعاد؟

سيجيبنا الرجل ببساطة: لا يمكننا من ناحية رياضية بحتة، أن ننقل صورة قارات الأرض من الكرة إلى الخرائط المستوية بدقة متناهية، لفهم ذلك يمكنك أن تحاول تقطيع ثمرة برتقال ونزع غلافها الخارجي ثم محاولة صنع مستوى مسطح منه، حينما تفعل ذلك، ستكتشف أنك لن تستطيع تحويلها لشكل مسطح بأي طريقة ممكنة، دائما وحتما سيكون هناك خطأ ما.

محاولة "تسطيح" قشرة برتقال ستبوء دائما بالفشل (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)
محاولة “تسطيح” قشرة البرتقالة ستبوء دائما بالفشل (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

من تلك النقطة ينشأ علم الخرائط، حيث عكف الجغرافيون قبل مئات الأعوام على محاولة تقليص نسبة الخطأ قدر الإمكان في أثناء رسم التضاريس، وتسمى الطرق التي يحاول بها الجغرافيون أن يُسقطوا ما على الكرة إلى اللوحات المستوية “الإسقاطات”.

لكن المشكلة الدائمة هي أنه حينما تحاول ضبط أي من المعايير الأساسية للخرائط (وهي المساحة، والشكل، والاتجاه، والمسافة بين نقطتين) يؤثر ذلك في المعايير الأخرى، فمثلا، في أثناء محاولاتك ضبط الاتجاهات في الخرائط، بحيث تساعدك على السفر في البحر، تهتز المساحات فتصبح أكبر من الطبيعي في بعض الأماكن، وفي أثناء محاولتك ضبط المساحات الخاصة بالقارات أو الدول يؤثر ذلك في الاتجاهات فلا يمكن أن تستخدم خريطة كتلك بسهولة في الملاحة، تلك المعايير الأربعة تتغير بالنسبة إلى بعضها البعض، إذا حاولت أن تجعل أحدها أكثر دقة فالآخر سيكون أقل دقة، وهكذا.

الخرائط، كلها، كاذبة إذن. هي فقط محاولات للاقتراب من الحقيقة الموضوعية الكاملة، تلك التي لن نصل إليها أبدا.

Equal Earth projection. 15° graticule. Imagery is a derivative of NASA's Blue Marble summer month composite with oceans lightened to enhance legibility and contrast. Image created with the Geocart map projection software. Strebe - Own work Equal Earth projection. 15° graticule. Imagery is a derivative of NASA’s Blue Marble summer month composite with oceans lightened to enhance legibility and contrast. Image created with the Geocart map projection software. CC BY-SA 4.0 File:Equal Earth projection SW.jpg Created: 15 September 2018 Uploaded: 16 September 2018
إسقاط “الأرض المتساوية” الذي دعت توجو إلى اتباعه في كتب الجغرافيا المدرسية، لاحظ فارق أحجام القارات مقارنة بإسقاط ميركاتور (ويكيميديا)

تنوع الأغراض

لأغراض الملاحة مثلا ابتكر جيراردوس ميركاتور، رسام الخرائط الفلمنكي الشهير في منتصف القرن السادس عشر، إسقاطا جديدا يهدف إلى المساعدة في الملاحة على طول خطوط التجارة الاستعمارية، وكانت الفكرة البسيطة أن يقوم ميركاتور بتكبير مساحة المربعات الشمالية والجنوبية المكونة من تقاطع خطوط الطول ودوائر العرض، بمعنى أن نقوم بـ “مطّها” قليلا لتناسب الانتقال إلى مستوى مسطح.

كانت الفكرة الجديدة مناسبة للغاية، بل ثورية بالنسبة إلى معايير تلك الفترة، لأن الهدف هو في الأساس رسم خطوط ملاحية يمكن للسفن اتخاذها كي تصل إلى أماكن محددة، ونجحت الخريطة في حفظ الاتجاه وزوايا التحرك بدقة شديدة، بحيث تكون زاوية مقدارها 50 درجة على الخريطة هي تقريبا الزاوية نفسها على الأرض، حتى إن خرائط غوغل تستخدم هذا الإسقاط للسبب نفسه، وهو حفظ الاتجاهات وزوايا التحرك.

“إسقاط ميركاتور لم يكن دقيقا أبدا في حفظ المساحات ولا مواضع الدول”

لكن إسقاط ميركاتور في المقابل لم يكن دقيقا أبدا في حفظ المساحات، ولا مواضع الدول، تأمل مثلا غرينلاند في إسقاط ميركاتور، وشاهد كيف تظهر بحجم ضخم للغاية يماثل حجم قارة أفريقيا تقريبا، بينما هي أصغر منها في الحقيقة بـ14 مرة. الأمر نفسه يحدث مع أوروبا وروسيا وأمريكا الشمالية. أوروبا تبدو على كثير من خرائط ميركاتور أكبر بكثير قياسا إلى أفريقيا مما هي عليه فعلا، مع أن مساحة أفريقيا تقارب ثلاثة أضعاف مساحة أوروبا. وروسيا، الممتدة في خطوط العرض الشمالية، تتمدد بصريا على الخريطة حتى تبدو كأنها تنافس أفريقيا أو تتفوق عليها، بينما تبلغ مساحة أفريقيا في الحقيقة نحو 1.8 مرة مساحة روسيا. وحتى أمريكا الشمالية تستفيد من التضخم نفسه في أجزائها الشمالية، فتبدو أحيانا أضخم من أفريقيا، رغم أن أفريقيا أكبر منها مساحة.

إعلان

لهذا السبب جادل أرنو بيترز، رسام الخرائط الألماني، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بأن إسقاط “ميركاتور”، على الرغم من نياته الحسنة وفائدته الجمة للملاحة، يمكن أن يؤدي إلى درجة من التحيز في نظرتنا إلى العالم، حيث يظهر هذا الإسقاط البلدان الواقعة في خطوط العرض الشمالية على أنها أكبر بكثير من تلك القريبة من خط الاستواء، ومن ثم أكثر أهمية أو قوة منها.

وهنا قدم بيترز بديلا يحفظ المساحات بدقة لكنه يشوه، مع ذلك، معايير أخرى كالشكل والاتجاه، وهو ما نعرفه بإسقاط “غال-بيترز”، وكان جيمس غال قد سبق بيترز إليه بقرن كامل، لكن سُمّي الإسقاط نسبة لكليهما لأن الأخير هو من أثار تلك القضية.

لو تأملت خريطة إسقاط غال-بيترز لوجدت أنها تختلف تماما عن خريطة ميركاتور، حيث تعطي أحجاما أكثر حقيقية للقارات. تسيطر قارة أفريقيا على المشهد في إسقاط “غال-بيترز” بوضوح، بينما تظهر أنتاركتيكا، القارة القطبية الجنوبية، بحجم مناسب. بالنسبة إلى إسقاطات المساحة المتساوية، والتي تضم إسقاط “غال-بيترز”، قد تبدو أشكال البلدان مضغوطة أو ممدودة مقارنة بما تبدو عليه على الكرة الأرضية، لكن مساحة أي منطقة على الخريطة تكون متناسبة مع مساحتها على الأرض.

The Gall–Peters equal-area projection of the world mapStrebe - Own work The world on Gall–Peters projection. 15° graticule. Imagery is a derivative of NASA’s Blue Marble summer month composite with oceans lightened to enhance legibility and contrast. Image created with the Geocart map projection software. CC BY-SA 3.0 File:Gall–Peters projection SW.jpg Created: 15 August 2011 Uploaded: 15 August 2011
إسقاط غال بيترز (ويكيميديا)

العالم في عيون الاستعمار

هناك الكثير من إسقاطات الخرائط، كل منها يستخدم تقنية محددة تفضل بعض المعايير الأربعة على حساب الأخرى، لكن على مدى 500 عام فائتة، كان إسقاط ميركاتور هو الأكثر شهرة وانتشارا لأسباب غير واضحة أحيانا. بمعنى أوضح: يمكن أن تستخدم إسقاط ميركاتور في الملاحة، لكن بالتأكيد لن يحتاج الطلبة في فصول الجغرافيا إلى معرفة دقيقة بالاتجاهات بقدر حاجتهم إلى رؤية العالم بصورته الحقيقية.

أدى ذلك إلى ظهور اصطلاح يسمى “أمية الخرائط”، ويعني أن معرفتنا القليلة بالخرائط تتسبب في أن نفهم العالم على نحو خاطئ في كل مرة نتعرض فيها لأحد الإسقاطات، وهي كثيرة، لكن أكثرها شهرة وانتشارا هو ذلك الذي يشوّه قارة أفريقيا فيجعلها صغيرة، و”صغيرة” قد تعني “غير مهمة” أو “غير قوية”.

“الإنسان لا يقرأ الخريطة كما يقرأ النصوص، بل يلتقط منها علاقات بصرية سريعة”

هذا مهم، لأن الإنسان لا يقرأ الخريطة كما يقرأ النصوص، بل يلتقط منها علاقات بصرية سريعة، فهذا البلد ضخم، وذاك صغير، وهذه المنطقة تحتل جزءا كبيرا من العالم، وتلك تبدو هامشية. ومع التكرار تتحول الصورة التي تقدمها الخريطة إلى أحد المدخلات التي نبني منها ما يسميه علماء الإدراك “الخريطة المعرفية” للعالم. لهذا تبدو قضية ميركاتور أكثر أهمية من مجرد خطأ هندسي، فإذا كان الحجم البصري يحمل بصورة ضمنية معنى القوة أو الأهمية، فمن الممكن نظريا أن تؤثر الخريطة في تصورنا لمكانة الأقاليم والدول التي تظهرها.

تقدّم دراسة نُشرت في 2024 في دورية “كوميونيكيشنز ريبورتس” أحد أقوى الأدلة المباشرة على هذا التأثير: قارن الباحثون بين مجموعتين شاهدتا العالم عبر إسقاطين مختلفين -ميركاتور وغال بيترز المتساوي المساحة- ثم عُرضت الخريطة ضمن نقاش حول مقترح أمريكي لشراء غرينلاند. ولم يكن تأثير الخريطة موحدا في كل الظروف؛ فحين أُطِّر الموضوع بوصفه قضية أمن قومي، أدّى عرض خريطة ميركاتور إلى رفع الأهمية المُدرَكة لروسيا وسط المشاركين مقارنة بخريطة غال-بيترز، وهذا الاختلاف أثمر بدوره تغيّرا في المواقف من الصفقة، بما في ذلك مستوى التأييد لها وتقييمها الأخلاقي.

هذه النتيجة مهمة لأنها تنقل النقاش من عبارة فضفاضة مثل “الخرائط تؤثر فينا” إلى شيء أكثر تحديدا، وهو أن الإسقاط قد يعمل مع الرسالة السياسية المحيطة به بوصفه إطارا بصريا. حين يُحدَّث القارئ عن الأمن وروسيا ثم يراها كتلة جغرافية هائلة تهيمن على شمال أوراسيا، قد يضيف حجمها الظاهر وزنا نفسيا إلى الرسالة. لكن الدراسة تقول أيضا شيئا أكثر دقة، وهو أن التأثير لم يكن آليا، ميركاتور وحده لم يجعل كل شيء يبدو أكثر أهمية، وإنما ظهر الأثر عندما التقت الخريطة بسياق مناسب لها.

إعلان

لذلك، تجادل ماريان فرانكلين، أستاذ الإعلام العالمي والسياسة في كلية غولدسميث البحثية بجامعة لندن، بأن المسألة لا تتوقف عند حدود الخطأ الهندسي في تقدير المساحات، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يتخيل بها الغرب نفسه وموقعه من بقية العالم. فالخرائط، بحسب هذا المنظور، ليست مجرد صفحات محايدة تنقل الجغرافيا، وإنما صور تتداخل فيها “قوة التمثيل” مع “تمثيل القوة”، أي إن الطريقة التي نرسم بها العالم يمكن أن تعكس علاقات القوة القائمة فيه، ثم تساعد، مع كثرة الاستخدام والتكرار، على جعل تلك العلاقات تبدو طبيعية وبديهية.

“الخرائط ليست مجرد صفحات محايدة تنقل الجغرافيا، وإنما صور تتداخل فيها قوة التمثيل مع تمثيل القوة”

ومن هذه الزاوية يصبح إسقاط ميركاتور مثيرا للاهتمام تاريخيا. ففي الخريطة التي اعتادتها المدارس والأطالس الغربية لقرون، تنتفخ مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا كلما اتجهنا بعيدا عن خط الاستواء، بينما يبدو القسم الأكبر من أفريقيا أصغر نسبيا مما هو عليه في الحقيقة. وبذلك ينظر الطفل الأوروبي إلى عالم تحتل فيه أوروبا والشمال مساحة بصرية ضخمة، بينما تبدو مناطق واسعة من العالم المستعمَر أصغر وأبعد وأكثر هامشية.

وتقول فرانكلين إن خرائط العالم السائدة ترسخت في المخيلة الغربية منذ عصر الإمبراطورية البريطانية، وإن استمرارها ارتبط، في قراءتها، بافتراض أن العالم يتمحور حول المحاور الأنغلوأوروبية-الأمريكية، وكأن العالم ينتمي إلى هذه القوى أكثر مما ينتمي إلى غيرها.

ومن السهل أن نفهم لماذا يرى بعض الباحثين في ذلك صلة بالخيال الاستعماري، فالإمبراطورية لا تعتمد على السفن والجيوش والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى صورة ذهنية تجعل اتساع نفوذها أمرا مفهوما ومشروعا. وعلى خرائط الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، لم يكن اللون الذي يغطي المستعمرات هو الرسالة الوحيدة، كانت الخريطة نفسها تقدم للمشاهد عالما يمكن النظر إليه كوحدة قابلة للقياس والتقسيم والإدارة والسيطرة. وقد أشار مؤرخو الجغرافيا بالفعل إلى الصلة الوثيقة بين ثقافة الإمبراطورية البريطانية وخرائط العالم التي عُرضت للجمهور في عصر التوسع الاستعماري.

الشمال الذي يقع في الأسفل

والأمر أعمق من ذلك؛ فمثلا تظل فكرة أن يكون الشمال في الأعلى في الخرائط التي نعرفها ونستخدمها يوميا، سواء عبر خرائط غوغل أو في أثناء استذكارنا لدروس الجغرافيا محل جدل واهتمام، ما يدفعنا إلى السؤال: هل هناك سبب واحد يجعل ذلك حالة طبيعية؟

بمعنى أوضح، حينما تنظر إلى الأرض من الفضاء فليس هناك ما يمكن أن يجعل الشمال في الأعلى والجنوب في الأسفل سوى نظرتك الشخصية فقط، بالنسبة لكائن فضائي قادم من كوكب يقع على مسافة 500 سنة ضوئية، وبالنسبة للكون نفسه، لا يوجد ما يسمى أعلى أو أسفل، هل كنت تعرف -على سبيل المثال- أن خريطة العالم بصورتها الحالية (الشمال في الأعلى والجنوب في الأسفل) لم تكن دائما هي الأكثر انتشارا؟

دعنا مثلا نتأمل الخرائط المسيحية في القرون الوسطى، حيث كان شرق الخريطة هو ما يقع في الأعلى، ذلك لأنه كان يُعتقد أن حديقة عدن، والعالم كله، قد انبثق من ناحية الشرق. بينما كانت الخرائط الإسلامية، وفي الفترة نفسها تقريبا، تتخذ نظاما معكوسا، حيث كان الجنوب هو ما يقع في الأعلى، تأمل مثلا الخريطة التي رسمها محمد الإدريسي، الجغرافي العربي الذي وُلد في سبتة بالمغرب، هذه الخريطة موجهة بحيث يكون الجنوب في الأعلى، على نحو صار مألوفا في تقاليد رسم الخرائط الإسلامية آنذاك.

English: al-Idrisi world map in Arabic from 'Alî ibn Hasan al-Hûfî al-Qâsimî's 1456 copy, made at Cairo and now preserved at Oxford's Bodleian Library as MS. Pococke 375 fol. 3v-4. According to the French National Library, "Ten copies of the Kitab Rujar [Book of Roger of Sicily; the Tabula Rogeriana] exist worldwide today. Of these ten, six contain at the start of the work a circular map of the world which is not mentioned in the text of al-Idris". The original text dates to 1154.Note that south is at the top of the map. The first version was uploaded from Henry Davis; the second rotated and cropped from an original at Sindominio.net. The original image is also available at the Bodleian here. Español: Mapamundi pertenciente a la Tabula Rogeriana. Nótese que el sur aparece en la parte superior del mapa Versions
خريطة الإدريسي أظهرت الجنوب في الأعلى (ويكميديا)

للناظر المعاصر قد تبدو الخريطة في اللحظة الأولى “مقلوبة “، لكن هذه الدهشة نفسها تكشف مقدار ما تعودنا عليه. فالأرض، كما أسلفنا، لا تمتلك أعلى وأسفل بالمعنى الذي تمنحه الورقة المسطحة، ولو أن خرائط الإدريسي هي التي أصبحت النموذج المهيمن عالميا عبر القرون، لربما نشأ طفل اليوم وهو يرى أفريقيا وشبه الجزيرة العربية في أعلى العالم، وأوروبا في الأسفل، دون أن يجد في ذلك أي غرابة، بل ربما كان سيجد خريطة الشمال في الأعلى مربكة وغير طبيعية. ومن هنا تصبح خريطة الإدريسي تجربة ذهنية بقدر ما هي وثيقة تاريخية، فهي تكسر وهم أن الطريقة المألوفة لرسم العالم هي الطريقة الوحيدة الممكنة.

إعلان

ومن ثم، فإن حقيقة أن خرائطنا الحديثة تضع الشمال في الأعلى هي مجرد اتفاق، يتصور البعض أن سببه هو الشهرة العارمة التي لقيها إسقاط ميركاتور في اللحظة التي ظهر فيها.

“خريطة الإدريسي تجربة ذهنية بقدر ما هي وثيقة تاريخية، فهي تكسر وهم أن الطريقة المألوفة لرسم العالم هي الطريقة الوحيدة الممكنة”

لكن، هل يمكن أن يؤثر ذلك في الكيفية التي ندرك بها العالم؟ تناقش دراسة منشورة عام 2022  بعنوان “الشمال ليس في الأعلى” فكرة أن الخريطة التقليدية للعالم لا تنقل الجغرافيا بصورة محايدة تماما، بل تحمل معها مجموعة من الاختيارات البصرية التي تشكل الطريقة التي نرى بها الكوكب. ومن أبرز هذه الاختيارات وضع الشمال في أعلى الخريطة، وتمركزها حول غرينتش، ثم استخدام إسقاطات مثل ميركاتور التي تضخم مساحات اليابسة كلما ابتعدنا عن خط الاستواء. وعندما تجتمع هذه العناصر، تبدو أوروبا والمناطق الشمالية أكبر وأكثر حضورا في المشهد البصري العالمي، بينما تبدو مناطق واسعة من أفريقيا والجنوب العالمي أصغر نسبيا وأكثر ابتعادا عن المركز.

ويرى الباحث في الدراسة، وهو بانوس كراتيمينوس، من معهد الآثار بكلية لندن الجامعية، أن هذه السمات لا يمكن فصلها تماما عن التاريخ الذي انتشرت خلاله الخرائط الحديثة، وهو تاريخ ارتبط بصعود القوى الأوروبية والإمبراطوريات الاستعمارية.

لكن الدراسة لا تقول إن وضع الشمال في الأعلى أو استخدام ميركاتور كانا سببا مباشرا في الاستعمار، ولا إن الخريطة وحدها صنعت الشعور بالتفوق الأوروبي. الفكرة الأدق هي أن الخرائط يمكن أن تعكس علاقات القوة القائمة ثم تساعد، مع تكرار استخدامها، على جعلها تبدو مألوفة وطبيعية، فحين يرى الإنسان العالم مرارا وقد احتلت أوروبا والشمال مساحة أكبر وموضعا أعلى وأكثر مركزية، قد يصبح هذا الترتيب البصري جزءا من الطريقة التي يتصور بها مركز العالم وهوامشه.

خريطة كوين والمناطق البربرية باللون الزيتوني (بابليك دومين ريفيو)
خريطة كوين والمناطق البربرية باللون الزيتوني (بابليك دومين ريفيو)

البروباغاندا الخرائطية

وهكذا لا يمكن بسهولة إنكار دور البروباغاندا الخرائطية في تاريخ العالم. على سبيل المثال كان إدوارد كوين، في أطلسه التاريخي الشهير الذي يرسم تطور العالم حتى عام 1828، قد كتب في مقدمته أنه سوف يستخدم اللون الزيتوني لتظليل المساحات التي تشير إلى مناطق بربرية وغير متحضرة، ويشرح أن هذا اللون سيظهر عبر فترات الأطلس المختلفة للدلالة على تلك المناطق. غيّر كوين في الألوان التي تتخذها الدول مع الزمن إلا تلك المناطق. ترى قراءات نقدية أن هدف ذلك كان بسيطا، وهو أن  يتصور الطالب أن البربرية هي صفة أساسية لهذه المناطق، لن تتغير أبدا إلا حينما تجيء الحضارة الأوروبية (الاستعمار طبعا) لتشع نورها على هذا الجهل فتنهيه، هكذا استُخدم كل شيء في الخرائط، سواء كان الحجم، أو الرموز، أو الألوان، لخدمة الأغراض الاستعمارية.

وبوصولنا إلى القرن التاسع عشر، كانت البروباغاندا الخرائطية قد اتخذت أشكالا متعددة، بعضها قريب مما نسميه اليوم “الإنفوغرافيك”، حيث تختلط الخريطة بالرسوم والرموز والإحصاءات لتقديم صورة متكاملة عن الدولة. ومن الأمثلة اللافتة خريطة “روسيا الأوروبية المصوّرة” التي أعدها رسام الخرائط توماسيك، وعرضت نسختها الأصلية في المعرض الروسي العام بمدينة نيجني نوفغورود عام 1896، قبل أن تنقح وتعاد طباعتها في وارسو عام 1903 للاستخدام التعليمي.

قدمت الخريطة الإمبراطورية الروسية بوصفها فضاء واسعا غنيا بالموارد والمحاصيل والصناعات، تتصل أقاليمه بشبكة من خطوط السكك الحديدية، وتنتشر عليه صور السكان والحرف والحيوانات والمنتجات، في مشهد بصري يوحي بالثراء والترابط والوحدة. وقد قرأها باحثون في تاريخ الخرائط بوصفها جزءا من النزعة الإمبراطورية والقومية التي استخدمت الخرائط لتقديم روسيا ككيان متماسك ومتعدد الشعوب تحت سلطة واحدة. والمفارقة أن النسخة الأولى ظهرت بعد سنوات قليلة فقط من مجاعة 1891–1892 الكارثية، التي أودت وفق بعض التقديرات بنحو نصف مليون شخص، وهي كارثة لا تجد لها مكانًا في هذه الصورة التعليمية المتفائلة للإمبراطورية.

“استُخدمت الخرائط من قِبل جهاز البروباغاندا النازي بدقة وحرفية شديدة”

وبحلول الحرب العالمية الثانية استُخدمت الخرائط من قِبل جهاز البروباغاندا النازي بدقة وحرفية شديدة، فمثلا، في عام 1935 وزعت وزارة الدعاية النازية خريطة بعنوان “المناطق الحدودية الألمانية في محنة”، وعلقت نسخا منها داخل فصول المدارس الألمانية. لم تكن الخريطة معنية فقط بحدود الدولة الألمانية كما أقرتها معاهدة فرساي، بل وجهت أنظار الطلاب إلى الجماعات والمناطق الناطقة بالألمانية الواقعة خارج تلك الحدود، مقدمة إياها بصريا باعتبارها جزءا من فضاء ألماني أوسع. كان ذلك ينسجم مع أحد الأهداف المعلنة لسياسة هتلر الخارجية، وهي جمع السكان الناطقين بالألمانية في أوروبا داخل الرايخ.

خريطة مجلة تايم التي صورت الاتحاد السوفيتي باللون الأحمر (جامعة كورنيل)
خريطة “كوميونيست كونتاجيون” التي نشرتها مجلة “تايم” عام 1946 (جامعة كورنيل)

وبحلول الحرب الباردة أصبحت الخريطة إحدى أدوات صناعة الخوف. ففي الولايات المتحدة ظهرت خرائط دعائية تجعل الاتحاد السوفيتي كتلة حمراء هائلة تهيمن بصريا على مساحات واسعة من العالم، إنها خريطة “كوميونيست كونتاجيون” التي نشرتها مجلة “تايم” عام 1946، لم يُستخدَم الأحمر فقط للدلالة على الاتحاد السوفيتي، بل صُوّرت الشيوعية كما لو كانت عدوى تنتقل بين الدول. وبعد أربع سنوات، قدمت خريطة بعنوان: “عالمين” (Two Worlds) الاتحاد السوفيتي كتلة ضخمة تملأ المشهد، بينما ظهرت الولايات المتحدة صغيرة في الأفق. وهكذا لم تكن الخريطة تنقل حجم التهديد بقدر ما كانت تساعد في صناعته بصريا.

وربما لو استمررنا في الحديث عن البروباغاندا الخرائطية، لأكملنا مجلدا ضخما، وتظل العديد من الدراسات التي تفحص تأثيرها السياسي والاجتماعي والنفسي قائمة حتى اليوم، لكن في هذا السياق ينبغي أن نتوقف قليلا لنوضح نقطتين مهمتين، الأولى هي أنه ينبغي الفصل بين إسقاط ميركاتور، واستخدامات خرائطه، فلا يوجد دليل تاريخي قوي على أن ميركاتور صمم إسقاطه عام 1569 بقصد تضخيم أوروبا حتى يبرر الاستعمار، فقد كان الغرض الأساسي من الإسقاط ملاحيا.

كذلك لا نستطيع علميا القول إن الخريطة “سببت” الاستعمار الأوروبي، والأدق أن نقول إنها تحولت لاحقا، حين أصبحت صورة معيارية للعالم، إلى جزء من ثقافة بصرية نشأت داخل عالم تهيمن عليه القوى الأوروبية، ثم أصبحت مناسبة بصورة لافتة لهذا العالم، الشمال فيها يبدو أكبر، والقوى الإمبراطورية تبدو أضخم، ومناطق واسعة من الجنوب العالمي تبدو أصغر من حجمها الحقيقي، وتعطى لها ألوان تدل على “البربرية”.

هذا مهم، حتى لا نقع في أسر نظرية المؤامرة الخرافية، ونحافظ في الوقت نفسه على حس نقدي، يحفظ للناس حقها في أن تمثل خرائطها على نحو واقعي. أما الدرس الأهم فهو ألا نتعامل مع الخرائط باعتبارها أدوات بريئة تماما لا تحمل أثرا سياسيا أو ثقافيا، سواء كنا قراء أو طلابا في المدارس.

فريق جسور

موقع يعنى بنشر الأخبار الوطنية والدولية مع توخي الدقة ومراعاة المهنية، كما يضع ضمن أولوياته تسليط الضوء على قضايا الجاليات الموريتانية في الخارج، وخاصة في غرب إفريقيا، والتحديات التي تواجهها، وإيصال صوتها وربطها بالوطن الأم، ليشكل بذالك ” همزة وصل بين الوطن وأبنائه”.